أحيت نقابة المحامين في بيروت الذكرى السادسة لتفجير مرفأ بيروت تكريمًا لضحايا الإنفجار ودعمًا لمسار العدالة، في قاعة المحاضرات في بيت المحامي، في حضور النائب جورج عقّيص، المحامي موسى خوري ممثلًا النائب ملحم خلف، النقيب عماد مارتينوس، النُّقباءِ السابقينَ، الحاليين والسابقين وأعضاء مجلس نقابة المحامين في بيروت وحشد من المحامين وأهالي الضحايا والشخصيّات الاجتماعيّة.
أبو شقرا
بعد النشيد الوطني ونشيد نقابة المحامين القى كلمة الإفتتاحيّة والتقديم المحامي عمر أبو شقرا قال فيها: “تَمرُ الأَعوام، ويبقى الرّابع من آب أكثر من تاريخ في الذّاكرة؛ يبقى علامة فارقة في تاريخ وطن، ونقطة،انقسم عندها الزمن إلى ما قبلها وما بعدها، ففي لحظةٍ واحدةٍ، تبدّلَتْ ملامِحُ مدينةٍ، وتغيّرَت حياةُ آلافِ العائلاتِ، وارتسمَ في الوِجدانِ اللبنانيِّ جرحٌ لا يُقاسُ بمرورِ الأيامِ، بل بعُمقِ ما تركَ مِن أثرٍ. لقد علّمَنا الرّابعُ من آب أنَّ الأوطان لا تُقاس بما تشيّدُه من عمرانٍ، بل بما تصونه من كرامة الإنسان، وأنّ المدن، مهما أثقلَتها المآسي، قادِرَة على النّهوض ما دامت ذاكرتُها حيّةً، متمسِّكَةً بقيمِ الحقِّ والعدالةِ. لذلك، فإنَّ إحياء هذه الذّكرى ليس استحضارًا لمأساة مضت، بل وفاء لمن رحلوا، وتكريم لصبر من بقوا، وتجديد للعهد بأن تبقى الحقيقة مصونةً، والعدالة غايةً، وكرامةُ الإنسانِ فوق كلّ اعتبار. خوري: ثم القى عضو مكتب الادعاء ضمن نقابة المحامين في بيروت المحامي موسى خوري ممثلًا النائب ملحم خلف كلمة قال فيها: أيّها الحضور الكريم ما ضاع حقٌّ وراءه مطالب. جريمة التفجير التي حصلت مساء ذلك اليوم المشؤوم في 4 ّآب من العام 2020، لم تهزّ مرفأ بيروت فحسب، بل اهتزّت معها بيروت، واهتز معها لبنان كلّه”.
وتابع: “في غضون لحظات، سقط مئتان وخمسة وثلاثون قتيلًا، وأصيب آلاف الجرحى، ودُمّر قسم كبير من المدينة ومن ضواحيها، في أكبر الكوارث غير النوويّة التي عرفها العالم. في الساعات الأولى، سمع اللبنانيون وعودًا بأنّ الحقيقة ستظهر خلال أيّام قليلة، وأنّ العدالة ستكون سريعة. قيل يومها إنّ الأمر لن يحتاج إلّا إلى أيام خمس. لكنّ السنوات أثبتت أنّ الطريق إلى العدالة أطول وأصعب بكثير. وفي المقابل، شهد اليوم التالي للجريمة مشهدًا آخر لن ينساه اللبنانيون. آلاف المتطوعين نزلوا إلى الشوارع لإزالة الركام ومساعدة المنكوبين. وكانت نقابة المحامين في بيروت جزءًا من هذه الوقفة الوطنيّة. ففي عهد النقيب الأسبق ملحم خلف، اتخذت النقابة قرارًا بأن يكون لها دورًا فعليًا في ملاحقة المسؤولين عن هذه الجريمة، وفي الوقوف إلى جانب الضحايا وأهاليهم، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مأساة تفوق قدرتهم، وفي مواجهة دولة عاجزة عن القيام بواجباتها. من هنا، ولد مكتب الادّعاء وكان ذلك في اليوم التالي لجريمة تفجير المرفأ. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن أمام المكتب إلًا طريق واحد: العدالة لجميع الضحايا، من دون أي تفرقة أو تمييز. مجموعة من المحامين اختارتهم النقابة، قبلوا أن يحملوا هذه المسؤولية تطوعًا، وتعهّدوا بأن يبقوا إلى جانب الضحايا وأهاليهم حتى انتهاء هذا الملف، مهما طال الزمن”.
روكز
ثم القت المحامية سيسيل روكز كلمة أهالي الضحايا وقالت: مرّت سنوات على انفجار مرفأ بيروت، لكن الزمن لا يزال متوقفًا عند الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء 4 آب 2020. ومنذ إحالة الملف إلى المجلس العدلي، واجه التحقيق عراقيل قانونيّة وسياسيّة متكرّرة عطّلت مسار العدالة. ورغم ذلك، واصل المحقّق العدلي، بدعم من قضاة نزيهين، مهمّته في مواجهة الضغوط وإيجاد المخارج القانونيّة لاستمرار التحقيق. كما شكّلت نقابة المحامين، بقيادة نقبائها المتعاقبين، ركيزة أساسيّة في الدفاع عن العدالة وسيادة القانون وحقوق الضحايا. أما أهالي الضحايا، فكانوا الجنود الحقيقيين لهذه المعركة، إذ واصلوا نضالهم طوال 2190 يوماً عبر عشرات الوقفات والتحرّكات والاعتصامات، رغم ما تعرّضوا له من اعتداءات وتوقيفات وضغوط. وسعوا أيضًا إلى حماية إهراءات المرفأ كشاهد على الجريمة، وإلى تدويل قضيّة العدالة من خلال لقاءات مع مراجع دوليّة ودينيّة، وصولًا إلى زيارة البابا للمرفأ. ويؤكّد الأهالي أنّهم، رغم الألم والتعب، لن يتوقفوا عن المطالبة بالحقيقة والعدالة حتى صدور القرار الاتهامي، وبدء المحاكمات، ومحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجريمة”.
حداد
ثم القى المحامي شكري حدّاد كلمة استعرض فيها تقرير مكتب الادّعاء لسنة 2025 – 2026 وجاء في كلمته: يدخل التحقيق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت مرحلة مفصليّة تسبق صدور القرار الاتهامي والإحالة إلى المجلس العدلي، بعد مسار قضائي يُعدّ من أعقد الملفّات الجزائيّة في تاريخ لبنان، نظرًا لضخامة الملف وكثرة الضحايا وتشعّب الوقائع والإجراءات. ورغم العراقيل القانونيّة والإجرائيّة التي واجهت التحقيق، استمرّت الجهود القضائيّة والقانونيّة لإنجاز تحقيق شامل ودقيق، وصولًا إلى مرحلته الختاميّة. وقد أُحيل الملف إلى النيابة العامة التمييزيّة لإبداء مطالعتها، تمهيدًا لإصدار القرار الاتّهامي الذي سيحدّد الوقائع والمسؤوليّات والأشخاص المحالين إلى المحاكمة. وخلال هذه المرحلة، واصل مكتب الادّعاء في نقابة المحامين حماية مسار التحقيق ومواكبة حقوق الضحايا، محققًا إنجازات بارزة، أبرزها: التصدّي لمحاولات تعطيل التحقيق، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للمساءلة من دون حصانات، وتأكيد اختصاص المجلس العدلي بعيداً عن التسييس، والحصول على أحكام كرّست مسؤوليّة التعسف في تعطيل العدالة، ومتابعة دعاوى داخل لبنان وخارجه، ومنها حكم لندن والدعوى ضد مصرف BCP السويسري، إضافة إلى متابعة الحجوزات الاحتياطيّة، ورقمنة الملف والتحضير للمحاكمة. ويؤكد المكتب أن هذه المرحلة لا تمثل نهاية القضيّة، بل بداية مرحلة المحاكمة أمام المجلس العدلي، مع تجديد التزامه بمواصلة الدفاع عن حقوق الضحايا حتى كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة جميع المسؤولين، بما يضع حدًا للإفلات من العقاب ويؤسس لقيام عدالة حقيقيّة ودولة قانون في لبنان. مارتينوس: ثم كانت كلمة نقيب المحامين في بيروت الأستاذ عماد مرتينوس وقال فيها: في الرابع من آب… سقطت الأقنعة في الرابعِ من آب، لم ينفجرْ المرفأ وحدَهُ، انفجرت ثقةُ اللبنانيين بدولتِهم، وثقةُ العالمِ بالنظامِ اللبناني. في الرابعِ من آب، لم تسقطْ أبنيةٌ وحدَها، بل سقطتِ الأقنعةُ أولًا. في الرابعِ من آب، لم تَغِبْ وجوهٌ عزيزةٌ فقط، بل بانت وجوهٌ صفراءْ على حقيقتِها. في الرابع من آب، لم تتغيرْ حياةُ مدينةٍ فحسب، بل انهارت مدينةٌ بكاملِها، وحضارةٌ بأكملِها، وثقافةٌبأعماقِها. لكن ما لم يسقطْ في الرابع من آب 2020، ولن يسقطَ في الرابع من آب 2026، هو حقُ الضحايا في الحقيقة، وحقُ بيروتَ في العدالة، وحقُ الأجيالِ في وطنٍ لا تتكرَّرُ فيه المأساة، ولا تتعَثرُ فيه العدالة، ويتحَرَّر فيه القضاء من وطأةِ السياسةِ وَجَبروتِها وجَهلِها. في الرابعِ من آب، لا يمكنُ اختصارُ بيرو سْكُنُ ذاكِرَتَها. نعم، إن ملف التحقيق أحاله حضرة المحقق العدلي وهو في أيدٍ أمينة لدى حضرةِ النائب العام التمييزي، بانتظارِ أن يخُطّ طريقه إلى العلانيّة والوجاهيّة. والقرار الإتهامي المنتظر تأكيدٌ على أنّ اللبنانيين ليسوا أرقامًا، ليسوا عددًا، وأن بيروتَ ليست كماً، بيروتُ نوعاً، وأن بيروتَ ليست حجرًا، بيروتُ مساحةٌ خالدة في الفكِر والإبداع، وأن بيروتَ ليست مقرًا ولا مستَقَرًا إلّا لأبنائها، فعلى الرّحبِ والسَّعة للأوادم في بيروت، للمدنيين لا المسلحين، للبواخر لا البوارج، للحضارات لا المتفجِرات. إنّ القرارَ الإتهامي لا بدّ قائلٌ إنّ بيروتَ ليست يتيمةً، ليست سقيمةً، ليست غنيمةً، بيروتُ أمُ الشرائع هي، ومن لقَّن الحقوقَ ودرَّس القانون، لن يكونَ القانونُ مطيَّةًللإفلاتِ من العقاب، ولا لهَدرِ الحقوق، ولا لإسقاطِالعدالةِ بالتقادُمِ ومرورِ الزَمن. أقولُها كنقيبٍ للمحامين، مخالفًا القاعدةَ الأساس، وهنا تصحُّ المخالفة فتصبحُ امتثالًا والتزامًا، ويصحُّ الإستثناءُ فيُصبحُ قاعدة: إنّ كل من عرقل العدالة من سياسيينَ وعسكريينَ وقضاةٍ وإداريينَ ومقررينَ ونافذينَ ومُنَفِذينَ، متّهمٌ حتى اثباتِ براءتِه، وليس بريئًا حتى إدانتِه. الى ذوي الضحايا، ونقابةُ المحامين مصابةٌ وأحدُ أولياءِالدم، أقولُ: أُجْبِرنا معًا على تأخُرِ العدالةِ وفي هذا إنكارٌ للعدالة، رغم كلّ جهودِ المحقّقِ العدلي وعملِ مكتبِ الادعاءِ في نقابة المحامين. أُجبرنا معًا على سنةٍ سادسة إضافيّة من سنواتِ الإفلاتِ من العقاب. لكن نقولُها بوضوح: العام ٢٠٢٦ هو عامُ حقيقةِ انفجارِ المرفأ. فَمِنْ حقِ الضحايا أن يُذْكَروا، ومن حق الأحياءِ أن يَعرفوا الحقيقة. نقولُها بوضوح: اذا كان انفجارُ ٤ آب ٢٠٢٠ هو نتيجةُاستقالةِ الدولة، فإن تأخيرَ العدالةِ ستَ سنواتٍ هو نتيجةُ وجودِ دولةٍ تخافُ من الحقيقة، بدلَ ان تخافَ على الحقيقة،وأن تُخيفَ الفاعلَ من كشفِ الحقيقة. نعم، إنّ العام ٢٠٢٦، هو عامُ الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيءَ غيرَ الحقيقة”.
Post Views: 2