الموت. تلك الحقيقة التي لا مفر منها، تأتي لتأخذ منا الأحباء وتتركنا في صمت عميق وألم لا يزول. في لحظة واحدة، فقدت خالي وصديقي. خالي، المعلم، الأب، المربي، الرجل الذي علّم أجيالًا وصنع رجالًا، والصديق جورج، الأخ والرفيق الذي غدره الموت بغتة.
خالي لم يكن مجرد رجل عادي. كان شعلة من العطاء والحب. عاش حياة ملأها بالعلم والفن، كان يربي الأجيال، لا لينجحوا فقط، بل ليكونوا أناسًا صالحين. كان المعلم الذي يزرع في النفوس القيم قبل المعرفة. وبينما كان يغرس هذه المبادئ في طلابه، عاش حياته كعاشق للحياة. كان يعشق الموسيقى، يعزف العود بإتقان، وينثر السعادة بصوته حين يغني مع أمي نوال. تلك اللحظات، التي كانت تجمعهما في أغانيهما وألحانهما، كانت تملأ بيتنا بالفرح. واليوم، هما معًا في السماء، يغنيان ألحانهما، يذكراننا بأن الحب الذي نزرعه لا يموت أبدًا.
أما جورج، فقد كانت قصته مختلفة. رجل مليء بالحياة، بابتسامة تسبق خطاه، وبروح تنشر الفرح في كل مكان. لكن الموت غدر به، أخذته يد الظلم بلا رحمة. رحيله لم يكن مجرد خسارة، بل كان طعنة في قلب كل من عرفه. هناك فرق كبير بين من يرحل بسلام، بين أهله وفي حضن ذكرياته، وبين من يُنتزع من حياته غدرًا وظلمًا.
عدالة الإنسان أم عدالة الله؟
حين غُدر بجورج، أدركت كم نحن ضعفاء أمام عدالة الإنسان. البشر يحكمون بموازين ناقصة، يخطئون، يظلمون، وربما يتركون الغادر بلا عقاب. لكنني أؤمن أن عدالة الله لا تُخطئ. هي عدالة مطلقة، ترى كل شيء، تزن الأمور بحكمة لا نفهمها. قد يهرب الظالم من عقاب الأرض، لكنه لن يهرب من عقاب السماء.
كيف يمكن لإنسان أن يأخذ حياة آخر؟ كيف يمكن أن يغدر بروح ويظن أنه قد أفلت؟ هذا هو الغرور البشري، وهذا هو الجهل بعدالة الله. خالي رحل بسلام، عاش عزيزًا ومات كريمًا، لكن جورج؟ جورج غُدر به، عاش لحظة من الألم لا يمكن أن توصف، لحظة حملت كل معاني الظلم والقسوة.
ماذا عن حياتنا؟
الموت يجعلنا نعيد التفكير في كل شيء. يجعلنا ندرك أن الحياة ليست ملكنا، وأننا مجرد عابرين فيها. المال، السلطة، كل ما نجمعه، سيبقى هنا. سنترك وراءنا كل شيء، ولن نأخذ معنا سوى أعمالنا. فما الذي تركه خالي؟ ترك أجيالًا تحمل أثره، ترك ذكرى طيبة، ترك حبًا ووفاءً في قلوبنا. وما الذي تركه جورج؟ ترك ضحكاته التي لا تُنسى، وذكرياته التي تضيء ظلام الفقد.
لكننا، نحن الأحياء، نعيش بصراعاتنا الصغيرة. نتخاصم على أمور لا تستحق، نملأ قلوبنا بالحقد والأنانية، وكأننا خالدون. هل فكرنا يومًا أننا قد نرحل فجأة؟ هل فكرنا كيف ستكون ذكرياتنا عند من نحب؟ هل ستُذكر أفعالنا بالخير أم بالحزن؟
التسامح… القوة الحقيقية
المسيح قال: “من ضربك على خدك الأيمن، فدر له الأيسر.” ليس لأن التسامح سهل، بل لأنه امتحان للنفس، اختبار لقوتها. التسامح مع من ظلمك يعني أنك أقوى منه. لكن الأهم هو التسامح مع النفس. أن تغفر لنفسك على أخطائك، أن تقبل ضعفك كبشر، أن تدرك أنك لست كاملًا.
لكن التسامح لا يعني القبول بالظلم. نحن نغفر، لكننا لا ننسى أن الله هو الحكم العادل. الغادر لن يفلت من حساب الله، والعدالة ستأتي، حتى لو لم نرها بأعيننا.
إلى كل من يقرأ هذه الكلمات:
قف مع نفسك. هذه الحياة ليست ملكنا. نحن نعيش كأننا خالدون، نؤجل الحب، نؤجل التسامح، نؤجل الخير. لكن الموت لا ينتظر. خالي، الذي عاش يعشق الحياة والموسيقى، علمني أن السعادة ليست في الأشياء، بل في اللحظات: أغنية، ضحكة، لقاء مع من نحب. وجورج، رغم غدر الموت، علمني أن الروح التي تزرع الفرح لا تموت أبدًا.
لكن، يا قارئ هذه الكلمات، اسأل نفسك: ماذا ستترك وراءك؟ هل ستكون ذكراك طيبة كذكرى خالي، أم ستكون حسرة على ما كان يمكن أن تكونه ولم تكن؟
خالي وأمي نوال الآن معًا في السماء، وجورج رحل إلى مكان أفضل. أما نحن، فما زلنا نحاول أن نفهم، أن نسامح، أن نعيش بصدق. الموت يأخذ منا الأحباء، لكنه لا يستطيع أن يأخذ ذكراهم.
فكروا في حياتكم. عشوا كل يوم وكأنه الأخير. سامحوا، أحبوا، قدموا الخير. لأننا، في النهاية، سنقف جميعًا أمام عدالة الله، العدالة الوحيدة التي لا تخطئ.
الدكتور جيلبير المجبر