كتب الأمين العام لجمعيّة مصارف لبنان الدكتور فادي خلف افتتاحيّة التقرير الشهري للجمعيّة بتاريخ تمّوز 2026، بعنوان “لا إصلاح مصرفيًا بلا ضمانات قانونيّة”.
وجاء فيها: “لا خلاف على أنّ إصلاح القطاع المصرفي بات ضرورة مُلِحّة.
ولا خلاف أيضًا على أنّ لبنان يحتاج إلى قانون واضح لإعادة تنظيم المصارف، وتحديد المصارف القادرة على الاستمرار، وتلك التي قد تحتاج إلى معالجة أوضاعها.
لكن يبقى السؤال الأساسي: أي قانون نريد؟
نريد قانونًا يعيد الثقة، ويعيد حقوق المودعين والمصارف ويحفظها، ويؤسس لعودة القطاع المصرفي إلى دوره الطبيعي.
لكن هذا الإصلاح لا يمكن أن يبدأ بتعليق الضمانات القانونيّة أو بتضييق حقّ الدفاع.
السرعة في المعالجة لا تعني تجاوز حقّ الدفاع. فمشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، كما هو مطروح، يتناول مسائل خطيرة تمسّ ملكيّة المصارف، وحقوق المساهمين، وحقوق الدائنين، وودائع العملاء، واستمراريّة المؤسسات المصرفيّة. فالقرار بوضع مصرف قيد الإصلاح أو التصفية ليس تفصيلًا تقنيًا، بل قرار قد يحدّد مصير مؤسسة، ومساهمين، ومودعين، وموظفين، وعلاقات مصرفيّة واقتصاديّة كاملة.
من هنا، لا بد من التوقف عند عدد من المبادئ الأساسيّة.
– أولًا، لا يمكن إصلاح المصارف بمعزل عن تحديد المسؤوليّات.
فإذا كانت الأزمة نظاميّة، كما بات واضحًا، فلا يجوز أن يتحوّل قانون إصلاح المصارف إلى أداة لتحميل القطاع المصرفي وحده نتائج أزمة نشأت من خلّل تسبّبت به الدولة، والماليّة العامة، ومصرف لبنان، والسياسات النقديّة والماليّة. لا يجوز أن يكون الهدف الضمني لأي قانون هو الحدّ من مساهمة الدولة أو إعفاؤها من مسؤوليّاتها، في وقت كانت فيه الدولة جزءًا أساسيًا من أسباب الانهيار.
– ثانيًا، يجب التنبه إلى تعدّد أدوار الدولة ومصرف لبنان في هذه الأزمة.
فالسلطات العامة تمسك بمسار التشريع والتنفيذ، ومصرف لبنان هو الجهة الرقابيّة والنقديّة الأساسيّة، وهما في الوقت نفسه طرفان أساسيّان في الأزمة، ولا سيما فيما يتعلق بودائع المصارف لدى مصرف لبنان ومصيرها. لذلك، لا بدّ من آليّة إصلاحيّة تمنع تضارب المصالح، وتؤمّن توازنًا مؤسسيًا حقيقيًا بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والقضاء.
– ثالثًا، حقّ الاعتراض والطعن ليس عرقلة للإصلاح، بل هو ضمانة لعدالته.
فالأزمة، مهما كانت خطيرة، لا تبرّر عدم وجود رقابة ّقضائيّة فعّالة. لا يجوز أن تُتخذ قرارات مصيريّة بحق مصرف، أو مساهميه، أو دائنيه، أو مودعيه، ثم يُحصر حقّ الاعتراض بأسباب ضيقة أو بمهل قصيرة لا تتيح فعليًا إعداد دفاع جدّي. كلّما كانت صلاحيّات الجهّة الإداريّة أوسع، وجب أن تكون الرقابة القضائيّة أوضح وأقوى وأسرع. فالثقة لا تعود إذا شعر المستثمر أو المودع أو المصرف أنّ القرارات المصيريّة لا تخضع لمراجعة قضائيّة جديّة.
– رابعًا، الإصلاح لا يعني تحويل الإدارة أو المصفي إلى قاضٍ.
للمدير المؤقت أو المصفي دور مهمّ في إدارة المصرف وتنفيذ الإجراءات. لكن لا يجوز منحه صلاحيّات ذات طابع قضائي، كإبطال أعمال قانونيّة أو تقرير حقوق أو تعديل مراكز قانونيّة نهائيّة. هذه أمور يجب أن تبقى من اختصاص القضاء. الجهة الإداريّة تنفّذ، أما القضاء فهو الذي يحسم النزاعات.
– خامسًا، الإنقاذ الداخلي، أو ما يسمى بالـ bail-in، يجب أن يُدار بحذر شديد.
فهو قد يؤدّي إلى تغيير جذري في ملكيّة المصرف، وإلى المساس بحقوق المودعين أو الدائنين أو المساهمين. لذلك يجب ألّا يتحوّل إلى أداة ظالمة لإعادة توزيع الخسائر. وإذا كان لا بدّ من استخدامه، فيجب أن يكون ضمن قواعد واضحة، وبما ينسجم مع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. فالـ bail-in ليس مجرّد تقنيّة ماليّة، بل إجراء يمسّ الملكيّة والحقوق، ولذلك ينبغي التعامل معه بمسؤوليّة لا تَترك مجالًا للاستنسابيّة أو الغموض.
– سادسًا، ضمان استمراريّة المصارف القادرة.
الهدف من الإصلاح يجب أن يكون عودة القطاع المصرفي إلى دوره الطبيعي في تمويل الاقتصاد، لا إضعاف المصارف القادرة على النهوض. فإذا بقي المصرف السليم والقابل للاستمرار مهددًا بأعباء إضافيّة غير واضحة أو غير محدودة، أو بإعادة فتح مراكز قانونية بعد تسويتها، فلن يدخل إليه مستثمر جديد، ولن يثق به مودع جديد، ولن يستطيع المشاركة في تمويل الاقتصاد.
– سابعًا، يجب أن يكون هناك انسجام بين قانون إصلاح المصارف وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
لا يمكن أن يعمل قانون في اتجاه، وقانون آخر في اتجاه معاكس. فإذا كان قانون استرداد الودائع يحدّد آليّة معينة لمعالجة الودائع وتوزيع الخسائر، فلا يجوز أن يفتح قانون إصلاح المصارف بابًا موازيًا لدعاوى واعتراضات وتعويضات قد تعطل التنفيذ وتغرق المحاكم والمصارف بنزاعات لا تنتهي.
في الخلاصة،
إصلاح المصارف لا يكون بتعليق الحقوق، ولا بتجاوز القضاء، ولا بإعفاء الدولة من مسؤوليتها، بل بإطار قانوني عادل وقابل للتنفيذ. فحقّ التقاضي ليس تفصيلًا إجرائيًّا، بل صمّام أمان لأي إصلاح قابل للحياة. المطلوب قانون يوزّع المسؤوليّات بوضوح، ويحمي المودعين، ويحافظ على المصارف القادرة على النهوض، ويمنع تكرار الأزمة تحت عنوان معالجتها”.