رحيل صانع نهضة قطر.. ذكريات من زمن التأسيس والبناء
منذ 4 ساعات
3 2 دقائق
Screenshot
بقلم الأستاذ هشام الجارودي
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، يعتصرها الحزن والأسى، تلقينا نبأ رحيل قامة عربية وعالمية استثنائية؛ الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. لم تفتقد قطر وحدها اليوم بانياً لنهضتها الحديثة، بل افتقدنا في العالم العربي أخاً كبيراً، وقائداً فذاً، ورجلاً تجسدت في عهده معاني الرؤية الثاقبة والإرادة الصلبة التي حولت الأحلام إلى واقع ملموس، وجعلت من بلاده منارة للتطور والإشعاع الحضاري.
في لحظات الوداع المهيبة هذه، لا يسعني إلا أن أسترجع شريط الذكريات، ليعود بي الزمن عقوداً إلى الوراء، وتحديداً إلى الحقبة الممتدة بين عامي ١٩٧٢ و١٩٨٦. في تلك الأيام الخوالي، شرفتني الأقدار بأن أكون جزءاً من ورشة العمل الكبرى في رحاب دولة قطر الشقيقة، نعمل سوياً بجهد وشغف في مجالات الهندسة والبناء. كانت تلك المرحلة بمثابة وضع اللبنات الأساسية الأولى لدولة فتية، تتطلع نحو مستقبل واعد بخطى ثابتة وعزيمة لا تلين.
“في تلك الأيام، لم تكن قطر مجرد ساحة للمشاريع الهندسية والعمرانية، بل كانت مدرسة في الإرادة وبناء الإنسان قبل البنيان.”
خلال تلك السنوات المليئة بالتحديات والإنجازات، جمعتني ميادين العمل الهندسي والتطويري بواحد من أبرز رجالات قطر، المغفور له ناصر المسند. كان ناصر رجلاً من طينة الكبار؛ عصامياً، صاحب رؤية، ومؤمناً بأن بناء الأوطان يتطلب سواعد مخلصة وعقولاً نيرة. جمعتنا ورش العمل، ومخططات البناء، وأحاديث طويلة حول مستقبل المنطقة وكيفية تحويل الصحراء القاحلة إلى واحات من العمران والتطور. لقد كان العمل مع ناصر المسند تجربة مهنية وإنسانية غنية، رسخت في وجداني أصالة الشعب القطري وكرم أخلاقه.
ومن كنف هذا الرجل الاستثنائي، وفي ذلك البيت الذي جُبل على حب الوطن والعمل الدؤوب، نشأت ابنته، صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر المسند. تلك الشابة التي نهلت من والدها صفات القيادة والتطلع نحو المعالي، لتصبح فيما بعد رفيقة الدرب وزوجة أمير البلاد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
لقد شكلت الشيخة موزا مع الأمير الوالد ثنائياً استثنائياً، حيث واكبت مسيرة البناء والتحديث، ليس فقط في الحجر، بل في البشر؛ عبر إرساء دعائم التعليم المتقدم والمؤسسات الثقافية والاجتماعية التي جعلت من قطر نموذجاً يُحتذى به. وهي اليوم، تحمل إرث هذا التاريخ العريق، بصفتها والدة أمير البلاد المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خير خلف لخير سلف، الذي يواصل حمل الأمانة وقيادة سفينة الوطن نحو المزيد من الرفعة والمجد.
إن البصمات التي تركها الأمير الوالد في كل زاوية من زوايا قطر، وفي قلب كل من عرفه أو عمل في بلاده المعطاءة، هي إرث لا يُمحى ولا يغيبه الموت. ونحن الذين عايشنا بدايات هذه النهضة في السبعينيات والثمانينيات، ندرك تماماً حجم الجهد العظيم الذي بُذل لتصل قطر إلى ما هي عليه اليوم.
وختاماً، أتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر المسند، وإلى عموم أسرة آل ثاني الكريمة، والشعب القطري الشقيق.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.