أدب وشعرالصفحة الرئيسيةثقافةخاصخبر عاجل

منتدى فيلوكاليا للفكر اللبناني… عندما يصبح الفكر رسالة وطنيّة

حضرت هذه الآية من الكتاب المقدس إلى ذهني وأنا أشارك في إطلاق منتدى الفكر اللبناني في فيلوكاليا، المنتدى الذي يرأسه الأستاذ سهيل مطر، والذي انطلق بمبادرة من الأخت مارانا سعد، التي كرّست وقتها وفكرها وجهدها لخدمة الجمال في مختلف تجلّياته: من الإيمان إلى الموسيقى، ومن الثقافة إلى الشأن الاجتماعي، وصولًا إلى الوطنيّة التي توحّد ولا تفرّق.

التبشير ليس حكرًا على الوعظ الديني، بل قد يكون تبشيرًا بالفكر، وبالثقافة، وبالحقيقة، وبالقيم التي تبني الإنسان وتصنع الأوطان. ومن هنا، بدا لي هذا المنتدى رسالة وطنيّة بامتياز، لأنّ لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى مساحات يلتقي فيها العقل قبل الموقف، والفكر قبل الانفعال، والإنسان قبل الانتماء.لقد أثبتت التجارب أن الجهل هو التربة الخصبة التي تنبت فيها العصبيّات والأحكام المسبقة والخطابات المتشنّجة. أمّا الفكر، فهو الذي يفتح النوافذ على الآخر، ويقود إلى الحوار، ويصنع ثقافة اللقاء بدل ثقافة الإلغاء.

ليس المنتدى مجرد مساحة للنقاش، بل هو رسالة وطنيّة وفكريّة، لأنّ الجميع معنّيون بأن يكونوا جزءًا من هذا المشروع. فالفكر وحده يقودنا إلى الأمل، ويبني جسور المحبّة، ويحرّر الإنسان من الجهل، ومن الأفكار المشوّهة، ومن المصطلحات الخاطئة التي غذّت الانقسامات، وأنتجت حوارات عقيمة، وأسهمت في تعميق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد.

إنّ التربية الوطنيّة والفكريّة لا تقوم إلّا على المنطق، وعلى الفكر الرصين، وعلى الحوار الراقي، وعلى الإجابات العلميّة التي يقدّمها أصحاب الاختصاص، ممن لا يبتغون سوى إيصال الحقيقة كما هي، بعيدًا من الأهواء الشخصيّة، والتفسيرات المزاجية، والأحكام المسبقة. فالحقيقة لا تُبنى على الانطباعات، بل على المعرفة، ولا تُصان إلّا بالفكر المسؤول.

وللشباب في هذا المنتدى دور أساس ومحوري، فهم صُنّاع الغد، وحملة رسالة التغيير. إنّ الهدف الأول لهذا المنتدى هو التوعية، لأنّ الجهل الفكري هو الباب الذي تتسلل منه الأخطاء إلى المجتمعات. وليس عبثًا أن قيل: “الإنسان عدو ما يجهل.” فكلما اتسعت المعرفة، ضاقت مساحة التعصّب، واتّسع أفق الحوار، ونما احترام الاختلاف.

لذلك يبقى الرهان الأكبر على الشباب لأنّهم ليسوا مستقبل لبنان فحسب، بل حاضره أيضًا. فإذا نجحنا في بناء وعيهم، نكون قد وضعنا الحجر الأساس لوطن جديد. فالجهل الفكري هو أخطر أنواع الجهل، لأنّه يصنع إنسانًا يكرّر ما يسمع من دون أن يفكر، ويخاصم الآخر من دون أن يعرفه.

 إنّ منتدى فيلوكاليا للفكر اللبناني هو شعلة جديدة لبناء انتماء كلّ لبناني إلى وطنه، وترسيخ اعتزازه بجذوره وهوّيته. ّإنّه شمعة تضيء، وكلّ شمعة توقد أخرى، حتى يعم النور مساحة لبنان كلّها، فيبدّد ظلمات الجهل واليأس، ويعيد الثقة بأنّ هذا الوطن يستحق أن نحلم به من جديد.

هذا المنتدى يجمع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، حول طاولة الحوار المسؤول، ليتناولوا القضايا التي تعني الجميع، بحثًًا عن القواسم المشتركة التي تقود إلى برّ الأمان، وتؤسّس لمصلحة وطنيّة عليا تخدم كلّ مواطن، بروح حضاريّة، وفكر راقٍ، ومسؤوليّة وطنيّة صادقة.

إنّه مشروع يطمح إلى أن تنتهي الحروب أولًا في النفوس، وأن تُشفى الذاكرة من جراح الماضي الأليمة، حتى ننطلق نحو أيام جديدة، يملؤها التفاؤل والرجاء، ويستعيد فيها اللبناني ثقته بوطنه وبأخيه الإنسان.

إنّها مسؤوليّة وطنيّة وفكريّة كبيرة، ورسالة أشبه بالتبشير بقيم الحقيقة والحريّة والمحبّة، وصوت صارخ في بريّة وطن يستحق أنّ نحبه حبًا حقيقيًا، لا حبًا تحكمه المصالح، ولا الانقسامات، ولا الأهواء.

ولعل الحلم الأكبر أن يصبح لبنان، كما أراده البطريرك الحويّك، وطنًا يحتضن جميع أبنائه، يحلّق بجناحيه معًا، فلا يطغى جناح على آخر، بل تبقى طائرته متوازنة في سماء الحريّة والكرامة، حاملة رسالة وطنٍ بُني على التنوع، ولا يكتمل إلّا بوحدة أبنائه.

فإذا كان الفكر هو بداية الطريق والمسار، فإنّ الحوار هو الجسر، والمحبّة هي الغاية. ومن هنا، قد يكون منتدى الفكر اللبناني أكثر من مجرّد منتدى، قد يكون بداية نهضة يحتاج إليها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

 أنّ نهضة الأوطان تبدأ بفكرة، والفكرة تتحوّل إلى ثقافة، والثقافة تصنع إنسانًا، والإنسان هو وحده القادر على صناعة وطن يليق بأبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى