بدعوة من لجنة الارشاد الرسولي في المجلس العام الماروني، وقع الصحافي والكاتب كلوفيس شويفاتي كتابه بعنوان “من الوزارة الى السفارة سقوط الحصن”.
وبعد كلمة ترحيبية لرئيس المجلس العام الماروني ميشال متى، ألقى كل من الخوري داني درغم والعميد المتقاعد فايز كرم، والدكتور رامي الشدياق، والكاتب شويفاتي، كلمات في المناسبة.
كرم: وجاء في الكلمة التي ألقاها العميد فايز كرم:
“لطالما وقفت في مثل هذا اليوم منذ 35 سنة بين رفاقي لنحيي معاً ذكرى شهداء 13 تشرين الأول 1990
كم مرة انتفضت لرؤيتي بعض رموز من تسبب بأحداث هذا اليوم المشؤوم في الصفوف الأمامية، في حين أن من ضحوا ودفعوا الثمن الحقيقي غرباء مبعدين.
أما اليوم وقد قُدِّمت لي فرصة الوقوف على هذا المنبر إكراما للذكرى، وإذ أودّ أن أشكر من قدّمها لي، أرى من واجبي إعادة الحق الى أصحابه الفعليين، بدلا من جعلها مناسبة تُستثمر لأطماع ومكاسب سياسية أو سواها.
أريد من كلمتي اليوم ان تكون في خدمة واقعْ وحقيقة تلك اللحظات التي عشناها. أريد أن ألقي الضؤ على حقيقةٍ لطالما تم التعتيم عليها وأُظهِرَت على عكس ما هي فعلًا.
ويهمُّني بداية أن أوضح موقعي وانتمائي:
أنا فايز كرم ابن عائلة وبلدة وبيئة مقاومة، تاريخها مقاومة دفاعاً عن لبنان، عن كل اللبنانيين، عن كل شبر بأرض لبنان،وشعارها ألهم مسيرتي “لبيك لبنان”
أنا فايز كرم ابن المؤسّسة العسكرية ربيت ونشأت في كنفِها، سأموت في كنفِها، مؤسّسة جامعة لكل اللبنانيين تحت علم واحد، وموقفٍ جامع واحد، وشعارٍ واحد، “شرف تضحية وفاء”.
فيا رفاقي:
يوم عشنا ١٣ تشرين أردنا ان نكونَ قدوةً، أن نبني وطناً، أن نصونَ وندافعَ عن مبادئ. ارتضينا 13 تشرين وأخذنا على أنفسنا كلَّ عواقب ذلك النهار من أجل لبنان.
كنّا جيش لبناني يدافع عن رسالتِه الحقيقة فدفعنا الثمن، ولما لا؟ ونحن أبناء شعارْ “شرف تضحية وفاء”، فتحيةُ اجلالٍ وإكبار لكلِّ شهيدٍ سقط في الجيش دفاعاً عن حريّةْ وسيادةْ واستقلالْ بلدِنا، سواءَ أوُفّقنا في مسعانا ام سواءَ اقتادَتنا أيادي الطمع والسرقات الى اعماقِ القبور، أو أعماق سجون الاحتلال.
في ذلك اليوم لم نُعاقب على مخالفاتٍ ارتكبناها، بل على انتماءٍ وطني دفَعَنا للتضحية حتى بأرواحِنا دفاعاً ليس عن وطنٍ، بل عن وطنٍ “حر سيد مستقل”.
كنا نحاول تفادي ما عاشه لبنان، وكل اللبنانيين، بعد ١٣ تشرين، تفادي التزلُّمَ لمصالحِ أوطانٍ غير وطنِنا، ومخططاتَ تؤذي مجتمعَ العيش المشترك، هدفُها سلبَنا قرارَنا وسيادتَنا.
ذاك النهار من سنة 1990 بدّل مسار حياتي، وضع حداً لخدمتي العسكرية، وأدخلني سجن المزة الذي أرغمت فيه على تقديم استقالتي من الجيش، أبعدني عن لبنان لمدة 13 سنة، وتسبّب بالحكم علي غيابياً…، وما أزال أتحمل زيولَه حتى اليوم.
يومَها انقلبت الحقائقُ وتبدّلت الأمور، يومها أصبح السجّانُ سجيناً والسجينُ سجّاناً، ويومها تحوّلتُ فجأة من رئيس فرع مكافحة الإرهاب والتجسس إلى إرهابي خطر على لبنان… وفي ما بعد إلى… ما يشاؤون…
ذلك النهار طبع في وجداني صوراً تلازمُني في ساعات وحدتي وألمي وغضبي،
13 تشرين كان خاتمةً لمرحلة مقاومة طويلة، تعرّض فيها لبنان لحروبٍ متعدِّدة، وقد دأب، في تلك المرحلة، أعداءُ لبنان وأتباعُهم على تشويه الوقائع، وتزوير الحقائق، واجتزاء التصاريح، ومحو الصور، واقتطاع المشاهد… محاولين النيلَ من إرادة شعبٍ بكامله وحّدَته المواقف الوطنية، وجمعته وحدة المصير… اعتقدوا أنهم انتصروا…، ولم ينتصروا ، فكانت انطلاقة “بدعة الديمقراطية التوافقية” التي حوّلت لبنان الى ساحةٍ للمحاصصات والمحسوبيات.
13 تشرين الأول ما زال بالنسبة للشهداء والمصابين والمنكوبين قضية وطن سيادي لن يغيب.
فشهداء 13 تشرين هم شهداء لبنان، وليسوا شهداء فئة من اللبنانيين. استشهدوا من أجل لبنان، ومن أجل حلمٍ آمنوا به، وقيمٍ حملوها، أهمَّها العدالة والحرّية والتحرّر.
أما بالنسبة للذين استغلّوها واغتنموها واقترعوا على ثيابِها وساوموا على قدسيتِها فهي سلطة ومكاسب وتحايل وخداع.
بالماضي انطلقنا من قضيةٍ تطلّبت شهادة بطولية لجيش يقاوم الاحتلالات فوصلنا إلى صفقة سياسية وهرولة إلى السلطة، وتحوّلت قضيتُنا من حالة شعبية من أجل قيامة لبنان إلى وسيلة شعبوية لتحقيق مآرب شخصية، وها هم اليوم ما زالوا يمعنون في مشاريع الفتنة والانقسام بإصرارهم على استبعاد لا بل العمل على إلغاء دور”اللبنانييّن المنتشرين” في الانتخابات النيابية المقبلة إمعاناً في تحصين موقعِهم الانتخابي.
لسنين عديدة تشاركنا الحلم، وتحَمَّلنا سويّاً قساوة الحرب والفلتان الأمني والقتل والسرقة والتهجير على أمل قيامة واعدة للبنان جديد، فوصلنا إلى خيبة وفوضى وضياع … وحروب…،
ما أشبه اليوم بالأمس، نفس الهموم، نفس الهواجس، نفس التوجهات.
يمكن أن نعطي 13 تشرين حقه بكل بساطة بالعودة للإلتزام بالطروحات السيادية التي جمعتنا بدءاً بالحرية والمساوات والعدالة والعمل من أجل الناس ومع الناس… عوض الاستعراض الشعبوي الذي نشهدَه كل سنة بهذا التاريخ، مهرجان، وقداس، وجمع حشود، ودعوات، ومواقف سياسية، ومزيد من الوجاهة…. فأبسط الإيمان الاهتمام بعائلات الشهداء وبالمصابين والمتضرّرين وشهاداتهم خير دليل على التقصير. من المعيب عدم الإكتراث لأوضاعهم من حينه وحتى اليوم.
فإلى رفاق النضال أوجِّه ندائي وأقول،
لنأخذَ من تلك الذِكرى عبرةً لنا، ونتمثّلَ بمواقف أهلِنا الذين صمدوا في ذلك اليوم من أجل كل اللبنانيين.
لسنا فئةً تتناتش المكاسب، وتبني على حساب الربح والخسارة مواقفها،
ما تعوّدنا تقديم المصالح السياسية على المواقف الوطنية،
ما تعوّدنا تشويه الحقائق، بل عمِلنا على قول الحقيقة بوقتها، دون خشيةٍ، وبصوتٍ عال،
ما تعوّدنا أن نفتِّش عن أعذار تبرّر مواقفَنا السياسية والوطنية، بل فاخرنا بمواقفنا، رغم المخاطر التي كانت مسلّطة على رؤوسنا.
احترمنا قادتنا، وأحببناهم ولكننا ما خضعنا لهم، وما خضعنا لخياراتهم دون اقتناع. وقفنا إلى جنبهم دفاعاً عن لبنان وليس تسهيلاً لترفيعهم….
جمعنا تميّزُنا، ففاخرنا بانتمائنا وسلوكنا وكفاءاتنا ومصداقيتنا ووطنيتنا…
وفرّقت بيننا قياداتٌ ما همَّها إلا تحصيل مكاسبِها وطموحاتِها الشخصية ومواقعها التمثيلية…
فيا رفاقي،
أنتم قدوة في مجتمع يجب أن يكونَ جامعاً وليس مُفرِّقاً، وانتماؤكم الوطني يجب أن يسبق كل انتماء سياسي حزبي مناطقي عقائدي أو طائفي…، عليكم تُعلَّقُ الآمال. فيكم وبينكم رجال فكر وموقف…، مبدعون وفنّانون…، وقادةٌ مدركون…، أنشدتم الحرّيةَ والتحرّر وما ارتضيتم تبعيّة. طالبتم بالعدالة والمساواة وما شرّفتكم محسوبيّة. شهداؤنا عسكريون ومدنيون سقطوا في 13 تشرين وقبل 13 تشرين دفاعاً عن لبنان ودفاعاً عن نفس قيمِكم، عن قيمٍ آمنوا بها وأرادوا رفع مجتمعِهم إليها.
أنحني أمام ذِكراهُم، وقلبي يدمي لغياب المفقودين، وأحيّي، في هذا اليوم، كل الرفاق المناضلين، والغائبين والمغيّبين…، وأناشدكم أن تحافظوا على عزّتكم…، بسكوتكم، برضوخكم، بانصياعكم، بخضوعكم، بالتخلّي عن دوركم، بالتنازل عن شخصيّتكم، بتزلّفكم…، تقتلونهم مرة ثانية”.