حين تُغلق العاصمة من أجل حفل خاص… من يحمي حقّ الناس؟
أغسطس 1, 2026
68 2 دقائق
مرة جديدة، يدفع اللبناني ثمن قرارات لا يُستشار فيها، ولا يجد من يشرح له لماذا أصبحت حقوقه في التنقّل والعمل والالتزام بمواعيده أقلّ أهميّة من إقامة حفل خاص على سجادة حمراء.
ما حصل في ساحة الشهداء ليس مجرّد تحويلة سير عابرة، بل انموذج صارخ عن كيفيّة التعامل مع المرفق العام وكأنّه ملكيّة خاصة يمكن التصرّف بها متى شاء أصحاب النفوذ والمال. فمنذ ساعات طويلة قبل يوم من انطلاق الحفل، أُقفلت الطرقات، واختنقت العاصمة، وتحوّلت شوارع بيروت إلى موقف سيارات كبير، فيما تُرك آلاف المواطنين لمصيرهم من دون تنظيم فعلي للسير أو خطّة واضحة تخفّف حجم الفوضى.
السؤال ليس عن مهرجان “بياف”، ولا عن أهميّة التكريمات، ولا عن الضيوف. السؤال أبسط وأعمق: بأي حقّ يُشل قلب العاصمة من أجل مناسبة خاصة؟
ساحة الشهداء ليست قاعة احتفالات، وليست فندقًا فاخرًا، وليست منتجعًا خاصًا. إنّها رمز وطني، ومساحة عامة تعود لكلّ اللبنانيين، لا لمن يستطيع استئجارها أو الحصول على إذن باستعمالها.
إذا كانت الدولة تعتبر أنّ من حقّ أيّ جهة خاصّة أن تغلق الطرقات الرئيسيّة وتفرض على مئات آلاف المواطنين ساعات من الانتظار والاختناق المروري، فمن حقّ اللبنانيين أن يعرفوا على أي أساس قانوني يُمنح هذا الحقّ. ومن منح الترخيص؟ وما هي الشروط التي رافقته؟ وهل جرى تقييم حجم الضرر الذي سيلحق بالناس قبل توقيع الموافقة؟
ثم هناك سؤال لا يقلّ أهميّة: هل دفعت الجهة المنظمة بدلًا ماليًا لاستعمال الساحة العامة؟ وإذا كان الجواب نعم، فمن حقّ الرأي العام أن يعرف قيمة هذا البدل، لأنّ الأملاك العامة ليست ملكًا لأحد، والشفافيّة ليست ترفًا بل واجبًا.
الأخطر من كلّ ذلك هو تكريس سابقة خطيرة. فإذا أصبح إقفال وسط بيروت من أجل حفلات خاصة أمرًا طبيعيًا، فما الذي يمنع غدًا شركات أخرى من المطالبة بالأمر عينه؟ وما الذي يبقى من مفهوم المصلحة العامة إذا كان المال قادرًا على شراء هدوء العاصمة أو شلّها لساعات؟
في الدول التي تحترم مواطنيها، تُقام الاحتفالات من دون تعطيل حياة الناس. أمّا عندنا، فيبدو أنّ المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا؛ ينتظر في زحمة خانقة، يخسر وقته، ومواعيده، وأعصابه، بينما تُسلَّط الأضواء على منصة الاحتفال وكأنّ شيئًا لم يكن.
القضيّة ليست ضد الفن، ولا ضد الثقافة، ولا ضد أي مهرجان. القضيّة ضد عقليّة تعتبر أنّ المواطن مجرد تفصيل يمكن تجاوزه، وأنّ الفضاء العام قابل للتصرف به من دون مساءلة.
ويبقى السؤال الذي يستحق جوابًا رسميًا وواضحًا: هل يسمح القانون بإقفال شوارع رئيسيّة وساحة عامة ذات رمزيّة وطنيّة من أجل حفل خاص؟ وإذا كان يسمح، فأين تنتهي حدود المصلحة العامة وأين تبدأ حدود النفوذ؟
لأنّ العاصمة ليست سلعة للإيجار، وساحة الشهداء ليست منصّة موسميّة تُفتح وتُقفل وفق أجندات المناسبات الخاصة. إنّها ملك الناس… والناس من حقّهم أن يعرفوا من قرّر، ولماذا، وبأي ثمن.