بقلم: فادي الشاماتي، رئيس رابطة سيدة ايليج
ما كتبته سابقًا، وأكتبه الآن، ليس إلّا تجربة شخصيّة عشتُها، حرًّا أو ُمُجبرًا، لا فرق. ولكنّها تعبّر، أيضًا، عن تجارب آلاف من الشباب اللبنانيّ، الذي خاض تجربة الحرب اللبنانيّة بكلّ أهوالها، وخرج منها إمّا معوّقًا، وإمّا مصابًا في جسده وروحه. أو ليبدأ من الصفر حياة جديدة من دون أحلام. وبعضهم، للأسف، لم يُتَح له ذلك، فضمّه التراب على غفلة، ولم يشهد النهايات.
حبّي لوطني، وتمسّكي بالبقاء فيه والدفاع عنه، كثيرًا ما دفعني إلى مواقف وجدانيّة فعلت فعلها في النفوس. وقد ردّدتُ في إحداها: “إنّني، ولو أضطررت إلى البحث عن لقمة العيش في مستوعب نفايات، لن أتردّد، وسأبقى في لبنان”. ولم يخطر في بالي، على الإطلاق، أنّ هذا الموقف المجازيّ، سيصير واقعًا لا مفرّ منه.
بُعيد اعتقالي في غدراس، ليل 21 نيسان 1994، يوم إلقاء القبض على الدكتور سمير جعجع، بقيت في سجن وزارة الدفاع حوالى شهر. وتمّت محاكمتي أمام المحكمة العسكريّة التي أطلقت سراحي، بعدما تبيّن لها براءتي من الملفّات الأمنيّة المفتوحة آنذاك.
خرجت إلى الحرّيّة عريانًا من أيّ مدخول أعيل به عائلتي الصغيرة. فمنذ نعومة أظافري، التزمت كلّيًّا العمل العسكريّ، وبَعده السياسيّ، في القوّات اللبنانيّة. إنتهت الحرب. صدّقنا أنّ نور السلام لا بدَّ آت ليعمّ الوطن. ولكن كانت لنا ظلمات السجون، واللّاشيء.
وقف إلى جانبي كثيرون من رفاقي. وأحاطوني بمحبّتهم ورعايتهم. وبعضهم، في الخارج، عرض عليّ تسهيل سفري للعمل، والابتعاد عن لبنان إلى حين. رفضتُ تلك العروض، واعتبرت ذلك تهرّبًا من واجبي النضاليّ تجاه القضيّة والرفاق المعتقلين، وبالأخصّ سمير جعجع. طرقت أبوابًا كثيرة طلَبًا للعمل. لم يتجاوب أحد، نظرًا لظروفي السياسيّة، والمتابعة الأمنيّة، التي توجّس منها أصحاب العمل ممّن قصدتهم. كما أنّ الأوضاع التي صرنا عليها، دفعت بالعديد من مفاتيح السياسيّين وأزلامهم إلى محاولة استغلال أوضاعنا المادّيّة والمعنويّة، وكأنّنا إرثًا متروكًا يسهل الحصول عليه، أو مرتزقة نبحث عمّن يجنّدنا. فحاولوا إغرائي بالعمل مع هذا السياسيّ أو ذاك، ونيل الأمان ولقمة العيش. “ما تْخاف. ما حدا بِقرّب صوبَك”. إنّما، في يقيني كانت ستكون لقمة مغمّسة بالارتهان، إن لم يكن بالذلّ. وجوابي كان الرفض دومًا.
حاولت استثمار محطّة للمحروقات في منطقة جبيل. لكنّ العمل بلا رأسمال مغامرة غير مضمونة العواقب. فقد تُرهقني السلبيّات من غير أن أكون قادرًا على مواجهتها. وهذا ما جرى. فتراكمت عليّ الديون. فتركت المحطّة مثقلًا بها. فما العمل؟ إلى أن جاء أحدهم يعرض عليّ فكرة شراء شاحنة صغيرة لنقل نفايات المنازل، بعد اشتراك أصحابها في هذه الخدمة، التي كانت تلاقي رواجًا في غياب البلديّات، حينذاك.
لم أجد مفرًّا من الأمر الواقع. فابتعت شاحنة من رفيق لي، على أن أسدّد ثمنها على دفعات عدّة-تأخّرت أحيانًا في تسديدها-، وبدأت أطرق أبواب المنازل لتسجيل الراغبين في الاشتراك، تحضيرًا للبدء بالعمل.
في أوّل يوم قدْتُ فيه الشاحنة الصغيرة، برفقة عاملَين من التابعيّة المصريّة، انتابتني ثورة من الغضبِ على أحلام تبخرّت، وقَدَرٍ لا يشبع من طحن الضحايا، ومن إحساسٍ متعاظم من ظلم مجتمع اعتقدنا، يومًا، أنّ لنا عليه كثيرًا، وخجلٍ مصحوب بجرأة تُطمئن نفسي، ولسان حالها يقول: “نعم! هذا أنا. وإن يكن؟ على الأقلّ، لا أشحذ لقمة عيشي من أحد، بل من عرق جبيني”. وكثيرًا ما راودتني تلك المقولة الشهيرة: “ليس من عمل حقير، إنّما هناك أناس حقيرون”. خِلتُ نفسي أقرأ في عيون الناس ما تقول في سرّها. ثمّة شافق وشامت. كما مَن اختلطت فيه أحاسيس التضامن والأسى. ولم أعرف في أيّ جهة كانت الأكثرية!
بعض من عرفني، وكنت مسؤولًا عنه في التنظيم العسكري، حبس الدمع في العين، وانهال بالشتائم على مَن، برأيه، تسبّب بما أنا عليه. وسارع إلى الاشتراك في الخدمة تضامنًا معي. ممّا شكّل عزاءً كبيرًا لي. بعض المنازل التي وقفتُ عند بابها، أنتظر من يناولني كيس النفايات، عرفني أصحابها-وهم من المؤيّدين- فلم يقبلوا أبدًا أن أنقل الكيس عنهم. فسارعوا إلى مرافقتي به إلى الشاحنة. مضى اليوم الأوّل على هذا النحو. وبعد الانتهاء، توجّهت إلى مكبّ للنفايات في غرفين، بالقرب من عمشيت، حيث صُدمت من مشاهدتي أطفالًا ونساءً يعملون على فرز النفايات، في بيئة موحشة، قذرة، تعجّ بالحشرات والروائح الكريهة التي أوشكت أن تصيبني بالإغماء. إنّه عالَم آخر. إكتشافه يحفر عميقًا في الذات الإنسانيّة.
بقيت على هذه الحال ثلاث سنوات تقريبًا. أنهض في الرابعة فجرًا. وأعود عند الغسق. وأحيانًا عند منتصف الليل. وكثيرًا ما غلبني النوم، وأنا أتناول طعام العشاء. وكنت أضطرّ أن أترك الشاحنة في عهدة سائق بديل، حين يكون لدينا تحرّك أو اجتماع. وعندما أُعتقَل، كانت زوجتي تتدبّر أمور العمل من سائق وعمّال، إلى حين خروجي من السجن.
هذه السنوات الثلاث، كانت من أجمل أيّام عمري، على الرغم من القهر والتعب، والفقر والضغوط النفسيّة والمادّيّة. وكانت أكثرها عطاءً، وتجربة مثمرة، وتمرّسًا في التواضع، ومعرفة قيمة الحياة في كلّ أبعادها. فقد علّمتني الكثير الكثير. وما زال في ذاكرتي ويقيني، إلى اليوم، أنّ أهمّ الأشياء التي حصلتْ في حياتي هي أنّني استطعت التغلّب على غروري وكبريائي التافهَين، إذ عملت زبّالًا.
عفواً وليد جنبلاط. فقد سبقتك.