شو الليل!!/ لو ما تْمَلّحو النجمات/ وكيس القمر
بيروِّب العتمات/ وتشرب صباح النّور عصفورة.”
مارون الماحولي: خلخال المي(ص 89)
الليل، في قاموس المحامي الشاعر مارون الماحولي، ماهية فلسفيّة الخطرات. تبدأ به ومضة الشاعر قبل أن تمتلئ بالنور.
في هذه المقطوعة الشعريّة ثنائيّتان متكاملتان: الظلام والنور، الفوق والتحت. والعلاقة بين الثنائيّات هذه تختصر نظريّة الشاعر، في نظرته إلی الحياة. وهذا ما يخلق ثنائيّة ثالثة هي الحلم والواقع. الحلم مرتبط بالنجمات والقمر وظلام الليل. أمّا الواقع فيتجسّد في العصفورة الطائرة في نور اليقظة والصباح.
تجمع هذه الكلمات القصيرة بين اتّساع المدی والصورة. وهذا الاتّساع تغلّفه الدهشة واللامعقول. كيف يجمع الشاعر بين النور والماء؟ كيف تتحوّل النجمة النورانيّة إلی ماء بحريّ يسود فيه الملح. والملح عنصر ترابيّ متّصل بالعنصر المائيّ، البحر. وقد يبتعد الملح عن الماء ليصبح رمزاً للجفاف والموت. وهذا التصوّر الافتراضيّ يُعيدنا إلی امرأة لوط التي أصبحت عموداً من الملح؛ لأنّها اشتاقت إلی الخطيئة، والتفتت إلی الوراء.ثمّ ما العلاقة بين النجمة والملح؟
ولا نفهم هذه العلاقة ما لم تتغيّر المعادلة الكونيّة، فتصبح النجمة امرأة يتوق إليها الشاعر، فتصيبه بالظمأ لأنّها بعيدة منه بعد النجوم والقمر.ولعلّ الليل الذي تساءل عنه الشاعر، في مطلع مقطوعته الشعريّة، جزء من ذاته التوّاقة إلی الحبّ والارتواء، بلا طائل.
يأتي، بعد ذلك، القمر الذي يبدّد ظلمة الليل، فيروّب سواد العتمة ويحوّلها إلی بياض كاللبن، أو اللجين. إنّه بياض اللقاء، بعد ظلمات ليل البعد، ذلك الليل النجميّ القمريّ المملّح بالجفاء. وقد تجسّد اللقاء في العصفورة/ المرأة التي أضاءت النور في حياته.
جفاف البعد وظلمته تحوّلا إلی ارتواء القرب والنور. إنّها معجزة الماء الذي يحوّله الشاعر الماحوليّ إلی نور، كما تحوّل الماء، في عرس قانا الجليل الی خمرة معتّقة. وهذا الدور العجائبيّ للشعر مرتبط بتحوّله، عبر عنوان الديوان، خلخال الميّ، إلی امرأة. وامرأة الشاعر ليست من لحم ودم، بل من ألق نورانيّ يُروي به ذاته الظمأی إلی الحب والوصال.
رمزيّة الخلخال أنّه دعوة المرأة الأنثی للرجل، من خلال صوته، نداء الماء، بعد جفاف الملح وعناصر زينة السماء، النجوم والقمر.، وحياة الرجاء.
الشاعر الماحولي، طفل الشعر الكبير المدلل،، يتلاعب بالكون وعناصره. يركل النجوم برجله. تتناثر زبداً كأمواج البحر المتكسّرة علی شاطئ اللغة. ” يروّب” ضوء القمر، في عتمات الأحلام، يصنع من الشمس “خابيةَ” عشق وإلهام.
خلخال الميّ صورة طبق الأصل عن الشعر الدهشة، مرآة صقلتها يد صائغ يجيد سبك الأبجديّة درراً نفيسة، مطعّمة بألماس الرؤية وياقوت الرؤيا.
أيّها الصديق الماحوليّ، ديوانك الجديد ليس خلخالاً في رجل حورية من حوريّات أوليس، بل تاج مذهّب الأطراف، علی رأس إلهة الشعر، وربّة الجمال النوراني.
إن قالت الآية الكريمة”وجعلنا من الماء كل شيء حي”, يحقّ لناأن نقول، ونحن نرتّل شعرك، : وجعلت من أبجديّة شعرك ماء حياة، وإكسير إبداع، يفيضان لا شعراً وحسب، بل نهرَين من أنهار جنّة الشعر/ الفعل المتدفّق من أعماق الوجدان.
د. جوزاف ياغي الجميل