في صرح بكركي وفي ختام قداس عيد العنصرة الذي ترأسه غبطة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وبحضور وزير الاعلام الدكتور بول مرقص، ألقى الأستاذ جاك كلاسي رئيس مجلس إدارة تيلي لوميار – نورسات والمدير العام كلمة قال فيها:
” ليس من قبيل الصدفة أن نحتفل اليوم بعيد العنصرة،
وأن نحتفل أيضاً بمرور ستة وثلاثين عاماً على إنطلاقة «تيلي لوميار»،
وأن نُحيّي، في الوقت عينه، ذكرى مرور أربعين يوماً على إنتقال الأخ نور إلى حضن الآب.
ما أعمق هذا التلاقي وأجمله،
فعندما نربط هذه المناسبات الثلاث بعضها ببعض،
نرى في العنصرة يوم إشتعال الكنيسة الأولى بالنار الإلهيّة منذ ألفيّ عام،
ونرى في «تيلي لوميار» إمتداداً حيّاً لهذا الحدث،
كما نرى في الأخ نور رجلاً عاش نار العنصرة خمسين عاماً من حياته.
الأخ نور لم يكن مجرَّد ناسك،
بل كان ناراً متَّقِدة في جسد إنسان عاش بالنار الإلهيّة، ورحل نوراً.
صحيح أننا نحتفل اليوم برسالة إستمرت رغم الأزمات والحروب والمضايقات والصعوبات،
ولكن اللافت أنّني، كلما إلتقيت وزير إتصالات أو وزير إعلام أو مسؤولاً في إحدى هاتين الوزارتين، أسمع العبارة نفسها:
«كانوا يريدون إقفالكم، لكننا مَنعنا ذلك».
معالي الوزير والأخ والصديق شارل الحاج،
إن الإتصال الهاتفي الذي ورد إلى «تيلي لوميار» من وزارتكم لم يكن بريئاً.
ولن أذكر إسم المتصلة على الهواء، لكنها قالت بوضوح:”لديكم مهلة عشرة أيام،
إما أن تدفعوا ما عليكم، وإما نحيلكم إلى النيابة العامة»، وما يعنيه ذلك من إقفال وسجن..
وجوابنا كان واضحاً وصريحاً:
نحن لا يَترتَّب علينا أيّ مبلغ،
بل على العكس، إن الدولة مدينة لمحطتنا منذ عشرين عاماً.
فعلى مدى عقدين، ونحن نرسل المراسلات إلى الوزارات المعنية،
وكان آخرها منذ أسبوع بتوقيع غبطة أبينا البطريرك،
ومرفقاً بقرار مجلس الوزراء رقم 33، وقرار وزير الإعلام رقم 214 مع تفسيراته.
وأقرأ هنا الفقرة العاشرة منه:
«لا يَترتّب على تيلي لوميار أيّ مقابل جَرّاء إستعمال القناة التلفزيونيّة، كما أن الدولة ستلحظ هِبة ماليّة غير مشروطة في موازنتها العامة لمساعدتها في نفقات الإرسال وإستمراره وتأمين أوسع تغطية له».
وذلك مرتبط بشرط واحد فقط:
إنتاج برامج تُعزِّز العيش المشترك، وتدعو إلى المحبّة والسلام.
فمن هي هذه الأذرع الخفيّة داخل الوزارات التي تسمح لنفسها بتجاوز الوزير وقرارات مجلس الوزراء، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى الصلاة أكثر من أيّ وقت مضى؟ ولو إلتزمت الدولة فقط 10 % من ميزانية تيلي لوميار
وأكثر من ذلك يعني، يكون لنا بذمتها مليون دولار سنوياً أيّ خلال 36 سنة من الرسالة يكون لنا بذمتها 36 مليون دولار، مع العلم أن تيليلوميار هو تلفزيون غير تجاري ولا يعتمد على الإعلانات، وليس لديه أيّ مداخيل أخرى تجاريّة، وليس تلفزيون حزبي ولا سياسي، تمويله يأتي من لقمة عيشنا أنا ورفاقي في مجلس الإدارة والمؤمنين برسالة تيليلوميار.
أين تعويضات حرب تموز 2006 بعدما دُمّرت محطات الإرسال عندنا في الشمال وصنين وفتقا ؟
أين تعويضات إنفجار الرابع من آب 2020 الذي دمّر عشرة إستوديوهات كاملة تحت كنيسة مار مخايل – النهر في منطقة المرفأ، مع كل أجهزة الإرسال والبثّ؟
كل ذلك موثَّق وحتى بواسطة الجيش ومُرسل إليكم.
وللتاريخ، فإن لنا لدى الدولة ما يقارب أربعة ملايين دولار.
وربما نحن من يُفترض به أن يُحيل الدولة إلى النيابة العامة!
أيّ ضمير يسمح بإرسال 275 موظفاً إلى بيوتهم وإقفال «تيلي لوميار»، في وقت يعجز فيه الناس عن تأمين لقمة العيش؟
ونسأل:
بماذا أضرَّت «تيلي لوميار» الوطن أو المواطن؟
أعطونا خطأً واحداً إرتكبته المحطة خلال ستة وثلاثين عاماً تُسبِّب بفتنة أو بلبلة في البلاد حتى تَستحق الإقفال.
«تيلي لوميار» محطة تساعد الدولة، بل تساعد الدول، على تنشئة مواطن صالح.
محطة لم تدخل في وحول السياسة ولا في فضائح الإعلام الرخيص.
محطة همّها نشر القيَم المسيحيّة ورسالة السلام والمحبّة.
وإذا كانت المحبّة والسلام يُخيفان إلى هذا الحدّ،
فأقفلوا المحطة،
ولا تعودوا تتساءلون لماذا يغرق هذا البلد بالكراهيّة.
ورغم كل المحاولات، بقيت «تيلي لوميار» وستبقى مشتعلة بنار العنصرة،
ليس لأنها تملك إمكانات ماديّة ضخمة،
ولا لأن الظروف كانت رحيمة بها بل لأنها ليست مشروعاً بشريّاً،
بل رسالة باركها الله، وأشعل فيها الروح القدس ناره لكي تعبر القارات والبيوت والقلوب.
لقد ربطت «تيلي لوميار» الشرق بالغرب والإنتشار،
وأظهرت لملايين الناس لبنان الحقيقي:
لبنان الثقافة والإيمان والإنفتاح والعيش المشترك،
لا لبنان الحرب والدمار الذي تختصره نشرات الأخبار.
إنها سفيرة لوطن صغير المساحة، كبير الرسالة،
يقول للعالم إن لبنان ما زال قادراً على أن يقدِّم رسالة حضاريّة وإنسانيّة.
وفي قلب هذه المسيرة، لا بد أن نتوقف بمحبّة وإمتنان أمام إسم الأخ نور.
لقد كُتب وقيل الكثير عنه،
والكتاب الذي سيوزَّع في نهاية القداس يَضمّ شهادات كثيرة لأشخاص عرفوه أو إلتقوا به.
أما أنا، فأقف أمامكم اليوم لا كمسؤول في «تيلي لوميار» و«نورسات» فحسب،
بل كإنسان فقد صديق عمر،
وأرغب في أن أقدّم شهادة أمام الله والتاريخ وضميري.
عرفت الأخ نور منذ الصغر، لأن والدي الراحل عمل عند والده، وتَعلَّم على يديه التجارة الصادقة.
وإختصار الأخ نور بكلمات أمرٌ بالغ الصعوبة.
ففي زمن يركض فيه الناس وراء المال والنجاح والأسماء الكبيرة،
إختار هو أن يترك كل مغريات الدنيا، حتى تخلّى عن إسمه جهاد،
ونذر نفسه للنسك، ولبس الخيش، وعاش ببساطة رغم أنه كان من عائلة ميسورة.
لقد عاش ببساطة مذهلة:
وجبة واحدة في اليوم، وكأس ماء وقطعة خبز يابس،
على مدى خمسين عاماً.
!من أين جاء بكل هذه القوة والطاقة للعمل؟
سألني أحد الأصدقاء منذ أيام:
«هل ظهرت أعجوبة بعد وفاته؟»
لم أتفاجأ بالسؤال، لأن حياته كلّها كانت أعجوبة صامتة عشنا بقربها ولم ندركها.
كنا نفتش عن أعجوبة لقديس نَعرضها على الشاشة،
فيما كانت الأعجوبة الحقيقيّة بيننا، ولم تظهر يوماً على الشاشة.
وقد حصلت على نسخة من فحوصاته المخبريّة عند دخوله المستشفى سنة 2019،
ولم يكن فيها أيّ مؤشر طبيعي:
نقص مزمن في البروتيين
نقص حاد في الفيتامينات والمعادن، ومنها: Vitamin C – Vitamin B12 – Vitamin D
ومخزون السكر أقل من 2%
والأغرب من ذلك كلّه:
كيف عاش هذا الرجل كل هذه السنوات بهذا النقص الحاد،
وكيف بقي يعمل ويَتحرّك من دون أن يمرض؟
خمسون عاماً من دون طبيب!
وخمسون عاماً من دون طبيب أسنان!
وفي أحد المؤتمرات العالميّة المتعلقة بسلامة الغذاء، سألت المحاضر:
«هل يمكن لإنسان أن يعيش خمسين عامًا على الخبز والماء فقط؟»
فأجاب فوراً:
«Impossible»
أيّ: مستحيل.
وأضاف:
«لا يحتوي الخبز على Vitamin C، ولا الماء كذلك،
والعلم يؤكد أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر من دون هذا الفيتامين بسبب مرض الإسقربوط».
يا أخ نور،
في يوم العنصرة، يوم النار، وفي أربعينك،
أنت لم تترك بين أيدينا محطة ومؤسسة فقط،
بل تركت أمانة من السماء.
لقد سلّمتنا نار الروح،
ونحن لن نسمح لها أن تنطفئ.
أطال الله أعماركم،
ولتكن قلوبكم في كل عنصرة مشتعلة بنار الروح القدس.”