إجتماعالصفحة الرئيسيةخاصخبر عاجلمتفرّقات

ملكة النحل التي أعادت الحياة إلى الدير

خاص: لبنان الجديد

هناك في بلدة عينطورة الكسروانيّة في قلب جبل لبنان، كان الدير صامتًا، كأن الزمن قد توقف عند جدرانه الحجريّة. العصافير هجرت نوافذه المكسورة، والأجراس خمد صوتها منذ أعوام طويلة. كان المكان يوشك أن يُنسى، أن يتحول إلى أطلال تُروى عنها الحكايات فقط.
لكن ذات فجر، ظهرت الأخت مارانا سعد رئيسة جمعيّة ومعهد فيلوكاليا، بخطوات هادئة كالصلاة، وبنظرة تملؤها رجاء السماء. جاءت لا لتسكن الدير، بل لتُحييه.

منذ اللحظة الأولى، بدأت الحياة تعود خجولة. غسلت الغبار عن الجدران كأنها تمسح الحزن عن وجه قديم عزيز. رتّبت الزوايا بعناية الأم التي تحضّر بيتها لاستقبال طفلها الأول. ومعها جاء فريق من القلوب النقيّة، كلّ واحد منهم يحمل في يديه حبًا، وفي قلبه نيّة العطاء والنخوة.

تحوّل المكان شيئًا فشيئًا إلى لوحة من النقاء والسكينة.
أزهرت الحدائق من جديد، وعاد الضوء يتسلّل من النوافذ الملوّنة كأنه يبارك هذا العمل
كل زاوية تنطق بذوق وجمال، وكل ركنٍ يعبق بتأريخٍ لم يُنسَ، بل صار يتنفس من جديد.
عطر البخور امتزجت بعبق الخشب العتيق، كأن الماضي والحاضر تصافحا معاً.

لم يكن الجمال في الحجر فحسب، بل في الأرواح التي رممته. كانوا يعملون في صمتٍ يشبه الصلاة، كأن لغة الكلام تعطّلت أمام لغة أسمى لغة الموسيقى التي تصدر عن القلوب عندما تحبّ بشغف.

وهناك، في قلب الدير، أصبحت كل الأشياء تنبض: الجرس، الوردة، الشمعة، وحتى الهواء.
ومن بين ذلك كله، كانت الأخت مارانا سعد، تمشي بخطواتها الواثقة، يعلو وجهها نور الرضا، وكأنها تسمع موسيقى لا يسمعها سواها، موسيقى الإحياء، موسيقى الحبّ، موسيقى الرجاء.

وما أجمل أن نؤمن بأن لمسة محبة واحدة، صادقة، قادرة على أن تعيد النبض حتى لما حسبناه ميتًا.

دير “فيلوكاليا” عاد إلى النبض بفضل الأخت مارانا سعد، التي جعلت من العمل صلاة، ومن الصمت موسيقى، ومن الجمال رسالةً تُضيء القلوب قبل الجدران.

الأخت مارانا سعد، ملكة النحل كما أطلق عليها اللقب سيادة المطران حنا علوان ،وكيف لا؟! وهي التي أعادت الحياة إلى الدير مع فريق متكامل

كما تتبع النحلات ملكتهن في خليةٍ من الضوء والنظام، جاءوا بهدوء النسيم، حاملين في قلوبهم عاصفة من الإصرار والحبّ. إلتفوا حولها التفاف الأرواح النقية، هو الفريق من المتطوعين، الذي حمل كلٌّ منهم شغفًا صغيرًا صار مع الوقت شعلة لا تنطفئ.

في وسط هذا الدير، كانت هي كملكة نحلٍ تفيض حيويّةً وتنظيمًا. تعمل بلا توقف، تقود بعينٍ ترى الجمال في التفاصيل الصغيرة، في زهرةٍ أعادت تفتحها، وفي حجرٍ صقله الضوء. كانت لا تأمر، بل تُلهم. لا تتكلم كثيرًا، لأن لغة الموسيقى والانسجام كانت أبلغ من أي كلام.

حتى صار المكان يعزف موسيقاه الخاصة. موسيقى لا تسمع بالأذن، بل تحَسّ بالوجدان، ألحان النقاء، والحبّ الصادق.

سلامٌ على من أعادوا النبض إلى دير فيلوكاليا، بيت الجمال والصلاة

سلامٌ على من يزرعون الجمال في صمتٍ، فيُثمر العالم بفضلهم حياةً وأملاً جديدًا

زر الذهاب إلى الأعلى