الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

الجارودي: في ذكرى غياب قامة بيروتيّة ووطنيّة استثنائيّة.. الرئيس شفيق الوزّان

بقلم الأستاذ هشام الجارودي

تمرّ الأيام والسنوات، وتبقى ذكرى الكبار محفورة في وجدان بيروت ولبنان. في ذكرى رحيل دولة الرئيس شفيق الوزان، نستذكر رجلًا من طينة نادرة، رجل دولة حقيقي وقف في أصعب المنعطفات التاريخيّة ليرفع لواء الشرعيّة والمؤسسات، متسلحًا بنظافة الكفّ، والصلابة في الحقّ، والتواضع النبيل الذي لم يزده إلا رفعةً واحترامًا في قلوب الناس.

تأخذني الذاكرة في هذه المناسبة العزيزة إلى أيامٍ خلت، كنت فيها مهندسًا في جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت، أساهم مع ثلة من المخلصين في ورشة الإعمار والتعليم والصحة التي كانت تقودها الجمعيّة. كانت المقاصد يومها، ولا تزال، منارة العاصمة وحصنها الأهلّي والوطني. وهناك، في أروقة تلك القلعة البيروتيّة العريقة، حظيت بشرف المعاينة عن قرب لثنائيّة تاريخيّة رائعة جمعت بين قمتين من قمم المدينة: الرئيس صائب سلام، الزعيم الكبير ورئيس الجمعيّة، والأستاذ شفيق الوزان، الذي شغل لسنوات طويلة منصب أمين سر المقاصد.

لقد كان لي، كمهندس مقاصدي، فرصة لمس كيف تُدار المؤسسات بحسٍ عالٍ من المسؤوليّة. رأيت كيف كان الرئيس صائب بيك سلام، برؤيته التنمويّة الكبيرة وحنكته وزعامته، يثق ثقة عمياء بـ “أبو وسيم” (الرئيس شفيق الوزان). كان الوزان يمثل الضمير الإداري والقانوني والمالي للمقاصد، يتابع شؤونها الهندسيّة والتربويّة بدقّة متناهية، ويحرص على كلّ قرش يدخل أو يخرج من الجمعيّة كحرصه على بيته وعائلته. كانت المقاصد بالنسبة لهما معًا بمثابة الابن البكر الذي يُرعى بالدموع والعرق.

تلك المدرسة “المقاصديّة” التي بنيت على التمسك بالعروبة المنفتحة، والاعتدال، ونزاهة العمل المؤسساتي، هي ذاتها المدرسة التي نقلها الرئيس شفيق الوزان معه إلى سدة رئاسة الوزراء. وعندما عصفت بلبنان، وببيروت تحديدًا رياح الاجتياح الإسرائيلي العاتي والحصار الناري عام ١٩٨٢، رأينا كيف تُرجمت تلك العلاقة الوثيقة والزمالة الطويلة بين صائب بيك وشفيق الوزان إلى شبكة أمان وطنيّة أنقذت العاصمة.

وقف الرئيس الوزان في السراي الحكومي بطلًا صامدًا، يرفض الإملاءات ويواجه الحصار العسكري بصلابة غريبة، بينما كان صائب بيك يفاوض ويحاور في كواليس السياسة والدبلوماسيّة ليحمي العاصمة وأهلها. كانا يكملان بعضهما بعضًا في واحدة من أخطر أزمات التاريخ الحديث: زعامة الشارع وحنكة المفاوض عند صائب سلام، تلتقي مع شرعيّة الدولة وصمود رئيس الحكومة عند شفيق الوزان.

كمهندس عاصر تلك الحقبة الذهبيّة في المقاصد، أقول إنّنا لم نتعلّم من شفيق الوزان وصائب سلام أصول العمل الإداري والتنفيذي الفاخر فحسب، بل تعلمنا منهما أسمى دروس الوطنيّة؛ كيف تكون بيروت عصية على الانكسار، وكيف يُصان الوطن بالترفع والنزاهة والتضحية بالمنصب من أجل كرامة الشعب.

رحم الله دولة الرئيس شفيق الوزان، ورحم الله الرئيس صائب سلام. ستبقى ذكراهما العطرة ومسيرتهما المشتركة مدرسة تلهمنا وتلهم الأجيال القادمة للحفاظ على هوية بيروت وصون كرامة هذا الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى