الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

شاطئ بوندي إلى بيروت: استثمار الهجمات الخارجية في أوراق ضغط إقليمية.

بقلم إيلي إ. حرب

أعاد الهجوم الإرهابي الذي استهدف احتفالًا بعيد حانوكا قرب شاطئ بوندي في سيدني استراليا فتح النقاش العالمي حول تصاعد ما يوصف بمعاداة السامية وتحوّل الصراعات السياسية إلى عنف عابر للحدود. فالاعتداء الذي وقع خلال مناسبة دينية سلمية لا يقتصر تأثيره على الداخل الأسترالي، بل يتجاوز الجغرافيا ليطال التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، بما فيها لبنان.

الهجوم، الذي صنف رسميًا بأنه عمل إرهابي بدوافع معادية لليهود، استهدف تجمعًا مدنيًا مفتوحًا، ما يعكس تحوّل أماكن الاحتفال والفضاءات العامة إلى أهداف سهلة للمتطرفين. ورغم سرعة تدخل القوى الأمنية الأسترالية، فإن الصدمة التي خلّفها الحدث عززت المخاوف لدى الجاليات اليهودية في العالم، ودفعت دولًا عدة، ومن بينها الولايات المتحدة، إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول دور العبادة والمؤسسات الدينية.

في إسرائيل، قوبل الاعتداء بإدانات رسمية حادة، حيث اعتبرت القيادة السياسية أن ما جرى في أستراليا يأتي في سياق تصاعد عالمي لمعاداة السامية مرتبط بالحرب في غزة والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وتم توجيه اصابع الاتهام الى ايران. وجرى توظيف الحادث في الخطاب السياسي الإسرائيلي للتأكيد على أن الصراع لم يعد محصورًا بالشرق الأوسط، بل بات يمتد إلى المجتمعات الغربية والشتات اليهودي، ما يفرض — وفق الرؤية الإسرائيلية — تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب وحماية اليهود حول العالم.

إقليميًا، يكشف الهجوم عن نمط متكرر يتمثل في انتقال توترات الشرق الأوسط إلى ساحات بعيدة، حيث تُستخدم القضايا السياسية لتبرير أعمال عنف ضد مدنيين لا علاقة مباشرة لهم بالنزاع. هذا الواقع يعمّق الإرباك الأمني، ويجعل أي حادث خارجي قابلًا للتحول إلى مادة سياسية أو أداة تعبئة في صراعات أوسع، وهو ما يحدث من خلال التراشق الكلامي بين تل ابيب وطهران على خلفية تدبير الاخيرة لهجوم بوندي.

بالنسبة إلى لبنان، يكتسب هذا التطور حساسية خاصة عند مقارنته بمحطات تاريخية مشابهة، أبرزها محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن عام 1982، شلومو أرغوف. يومها، استُخدم الحادث — رغم تعقيد خلفياته — كذريعة مباشرة لاجتياح إسرائيل للبنان، ما يبرز خطورة تحويل أعمال عنف تقع خارج المنطقة إلى مفاصل حاسمة في الصراع الإقليمي.

اليوم، يثير هجوم بوندي مخاوف من إعادة إنتاج هذا النموذج، حيث يمكن لحوادث إرهابية بعيدة أن تُستثمر سياسيًا وإعلاميًا لتبرير التصعيد أو زيادة الضغوط على دول هشة مثل لبنان. كما أن الربط التلقائي بين أي اعتداء يستهدف اليهود في الخارج والصراع مع إسرائيل يهدد بتأجيج الخطاب الطائفي، ويضعف فرص الاستقرار الداخلي.

خلاصة القول إن هجوم شاطئ بوندي يؤكد أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وأن تداعياته لا تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة. أما في لبنان، فالتحدي يبقى في منع استيراد هذه الصراعات، والتمسك بخطاب عقلاني يفصل بين الإدانة المبدئية للعنف وبين الانجرار إلى مواجهات إقليمية يدفع ثمنها الداخل اللبناني

زر الذهاب إلى الأعلى