سعيد في المجلس الاقتصادي والاجتماعي: لا يمكن لأي معالجة مصرفية أن تنجح في ظل دولة لا تموّل نفسها بنفسها وبصورة سليمة ومستدامة

عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لقاءً حواريًا وتشاركيًا مع حاكم مصرف لبنان السيد كريم سعيد.
عربيد:
وفي كلمته، أشار رئيس المجلس الاستاذ شارل عربيد إلى أهمية التعديلات المرتقبة على مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، وأثرها علىمسار المعالجة المالية والاقتصادية.
وأكد عربيد ضرور حماية حقوق المودعين وإقرار آليات استرداد الودائع فيضوء التطورات الأخيرة للمشاريع الإصلاحية المطروحة.
وتطرّق عربيد إلى أهمية إعادة تنشيط التسليف للقطاع الخاص كمدخل لتحفيزالنمو والاستثمار واستعادة الدورة الاقتصادية، كما الانتقال التدريجي مناقتصاد النقد الورقي (الكاش) إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعاتالرقمية والخدمات المالية الحديثة.
سعيد:
بدوره، قال حاكم مصرف لبنان، في كلمته:
“حضرة الرئيس، الصديق السيدشارل عربيد، السادة الأعضاء المحترمون، أيها السيدات والسادة، أتحدث إليكم اليوم لا بلغة الخطاب العام، بل بصراحة الشرح المهني المسؤول والتوصيف الصريح الذي تفرضه هذه اللحظة.
لقد مضت ست سنوات منذ أن أصبح الانهيار المالي/ المصرفي أمراً لا يمكن إنكاره. ست سنوات من الشلل والتعطيل والحروب، ومن الضغوط اليومية الآتية من كل اتجاه: من الدولة، ومن مجلس النواب، ومن المصارف، ومن صندوق النقد الدولي، وقبل كل شيء، من المطالبات المحقّة للمودعين الذين ائتمنوا هذا النظامعلى جنى أعمارهم.
أود أن أضع اليوم أمامكم عرضاً منهجياً يتناول تشخيص الأزمة، والحلول المقترحة، والإطار التشريعي المطلوب، والجدول الزمني الواقعي، إضافةً إلى الحقائق الأساسية التي لا يمكن لأي معالجة أن تنجح من دون الانطلاق منها.
2) الأزمة – ماهيتها وكيف حصلت؟
إن الأزمة المالية/ المصرفية في لبنان هي، من الناحية التقنية، «أزمة نظامية» بكل ما للكلمة من معنى، وقد جرى توصيفها على هذا النحو من قبل العديد منالخبراء محلياً ودولياً، كما أقرّ بها مؤخراً صندوق النقد الدولي.
فالمسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاعالمصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها البعض وصولاّ الى انهيار شامل.
والحقائق الأساسية في هذا السياق لا تحتمل أي تجميل:
• نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودِعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان.
• تخلّف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، بالتوازي مع انهيار قيمةسندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات اليوروبوندز.
• انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98%، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعيّة.
• ست سنوات من الشلل ، من دون قانون لإعادة الهيكلة، أو خطة تعافٍ، أو مسارإصلاحي واضح.
• حرب عام 2024 التي أضافت مزيداً من الدمار إلى ما كان قائماً، ثم الحرب الدائرةاليوم في العام 2026.
كيف وصل بنا المطاف إلى هنا؟
لقد قام النموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية على “سلسلة متواصلة من عمليات إعادة التمويل غير المستدامة”: فقد استقطب تثبيت سعر الصرف وارتفاع معدلات الفائدة ودائع اللبنانيين في الداخل وفي الاغتراب إضافةً الى الودائع الإقليمية؛ ثم أُعيد تدوير هذه الأموال عبر المصارف إلى مصرف لبنان، ومن خلال مصرف لبنان إلى الدولة التي كانت تعاني عجزاً مالياً متكرراً.
وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار فقط طالما بقيت التدفقات الداخلة تفوق التدفقات الخارجة. لكن مع اهتزاز الثقة في عام 2019، جاء الانهيار سريعاً وشاملاً.
وزادت الإخفاقات من حدة الأزمة وتعقيداتها: حكومات متعاقبة تعاملت معالخزينة العامة دون مسؤولية أو مساءلة ؛ وبيئة رقابية أتاحت اللجوء إلىالهندسات المالية فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم؛ وغياب للتدقيق المستقل ولرقابة فاعلة؛ فيما لم يكن الفساد ظاهرة هامشية، بل كان في صلب المنظومةنفسها.
3) مبدأ المساءلة
منذ يومها الأول في تولي مهامها بتاريخ 4 نيسان 2025، أعلنت الإدارةالجديدة لمصرف لبنان أن هذه الأزمة هي أزمة نظامية، ولم يكن الهدف إعفاءأي طرف من مسؤولياته.
لقد أكدنا بوضوح أن الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية يتحملون مسؤولية الأزمة المالية/ المصرفية، وأن عليهم جميعاً أن يتحملوا أعباء معالجتها.
وقد أصرّينا على هذا التوصيف انطلاقاً من ضرورة التحلي بالدقّة التقنيّة، لأن التشخيص هو الذي يحدد العلاج.
لقد قرأ كل طرف في هذا الموقف ما يناسبه، ولم يكن ذلك يعنينا. فنحن لا نتخذالمواقف لإرضاء أي طرف، بل لتحديد الوقائع كما نراها. فمسابقات الشعبيةهي من شأن السياسيين، وليست من شأن التكنوقراط كمسؤولي البنك المركزي. إن مهامنا من الحاجب الى الحاكم لا تتأثر بقرار أو مقال ، أو موقف عام أوخاص أو تهديد أو ترغيب، فالرقيب الوحيد على مصرف لبنان هو القضاء.
إن الاعتراف الرسمي بالطبيعة النظامية لهذه الأزمة، سواء من قبل مصرفلبنان أو من قبل صندوق النقد الدولي، لا يبرّئ أحداً من المسؤولية.
فالدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية تتحمل جميعها حصصاً متفاوتة من المسؤولية، كلٌّ بحسب دوره ومساهمته في نشوء الأزمة.
وما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير “أساس عادل لتوزيع الأعباء”،بما يضمن ألا تقع كلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسهالطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها.
وهذا ليس مجرد مبدأ مالي، بل هو واجب أخلاقي وأساس العدالة الاجتماعية.
وهو الموقف الذي التزم به مصرف لبنان، علناً وباستمرار، منذ اليوم الأول.
4) الدروس المستفادة من الأزمات العالمية – ولماذا يختلف لبنان
تزخر التجارب الدولية بسوابق وأمثلة جديرة بالدراسة. فلكل أزمة أسبابها الخاصة، وأطرافها المسؤولة، والعبر التي ينبغي استخلاصها منها.
لكن اسمحوا لي أن أقول بوضوح: “إن الأزمة اللبنانية تختلف اختلافاً جوهرياًعن جميع تلك الأزمات”، وهذه الحقيقة بالغة الأهمية عند تحديد المسؤوليات ووضع الحلول.
ففي معظم الحالات، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة. أما في لبنان، فقد كان القطاع العام هو نقطة الانطلاق.
في قبرص مثلاً (2012-2013)، انكشف الاقتصاد على نحو مفرط وغير محسوب على الديون السيادية اليونانية. وعندما أُعيدت هيكلة الدين اليوناني،دخلت قبرص في أزمة حادة. وأعقب ذلك تطبيق آلية الـ (Bail-in)التي أثارت الكثير من الجدل، لكنها كانت مؤلمة وحاسمة، وتمت معالجة الأزمة خلال ثلاثسنوات.
العبرة: إن المعالجة الجذرية والسريعة تؤدي إلى التعافي بصورة أسرع منالاستنزاف التدريجي والممتد.
أما في آيسلندا (2008)، فقد انهارت المصارف التي بلغ حجمها نحو عشرة أضعاف الاقتصاد الوطني تحت وطأة الإقراض الدولي المضاربي.
وكان ردّ فعل السلطات الآيسلندية لافتاً: تُركت المصارف المتعثرة تواجه مصيرها، وحُمِيَ المودعون المحليون، وأُحيل المسؤولون إلى القضاء. وقد انتهى الأمر بسجن ستة وعشرين مصرفياً.
وجاء التعافي أسرع من جميع الدول التي اختارت برامج الإنقاذ(bailouts) المكلفة.
العبرة: إن المساءلة ليست خياراً، بل ركيزة أساسية في أي عملية إصلاح.
أما اليونان (2010-2018)، فقد عاشت عقداً كاملاً من التقشف نتيجةسياسات مالية غير منضبطة، أُخفيت تداعياتها خلف ممارسات محاسبية كانمن شأنها أن تثير إعجاب أمهر محترفي الخدع.
وكان الإصلاح يُوعَد به باستمرار، لكنه كان يُؤجَّل باستمرار أيضاً.
العبرة: إن الخلل السياسي لا يؤخر التعافي فحسب، بل يتحول بحد ذاته إلىأزمة.
أما لبنان، فأين يندرج ضمن هذا التصنيف للأزمات؟
في الحقيقة، لا يندرج ضمن أيٍّ منها.
ففي جميع الحالات التي استعرضناها، كانت الخطيئة الأصلية قد ارتكبها القطاع المصرفي التجاري فيما اكتفت الدولة، على الرغم من أوجه القصورالتي شابت ممارساتها، بدور المنقذ في نهاية المطاف.
أما في لبنان، فقد كانت الدولة بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاءفعليّين كالمصارف التجاريّة.
فالأزمة اللبنانية لم تولد في مهد القطاع الخاص، بل كانت أزمة بدأها القطاع العام، وتمت هندستها على مدى عقود لتمويل عجز مالي مزمن وهيكلي، منخلال آلية تنم عن قدر كبير من اللامبالاة بالمخاطر: فقد اقترضت الدولة منمصرف لبنان بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي بأسعار فائدة ما كان ينبغيلأي دولة أن تدفعها؛ وعرض مصرف لبنان على المصارف التجارية عوائداستثنائية لقاء توظيف أموالها لديه؛ وقبلت المصارف، بدافع السعي إلى الربحالمفرط.
أما الجهة الناظمة والرقابية، أي مصرف لبنان، فلم يؤدِّ دوره المسؤول ومهامها الاحترازيّة، بل لعب دور «الوسيط المالي»، فسهّل التعامل بين دولة تفتقر إلى الانضباط المالي وقطاع مصرفي كان حاضراً للاستفادة من هذا الواقع، فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم إلى أن بلغت مستويات كارثية.
لقد كانت المؤشرات التحذيرية موجودة. وقد أطلقها اقتصاديون مستقلون، كما أصدرتها وكالات التصنيف الائتماني. لكن تلك التحذيرات لم تصدر عن مصرفلبنان، ولا عن وزارة المالية، ولا عن وزارة الاقتصاد، ولا عن جمعية المصارف ولمتلقَ الآذان الصاغية، لأن عدداً كبيراً من الأطراف كان يحقق مكاسب ماليةكبيرة.
أما المودعون — من معلمين ومهندسين ومهنيين ومتقاعدين عسكريين ومدنيين عائلات اغترابية كانت ترسل أموالها إلى الوطن — فلم يكونوا شركاء في هذه العمليّة، خاصة صغار ومتوسطي المودعين، بل كانوا الوقود الذي أبقتها قائمة. وعندما انفجر المحرك، طُلب منهم تحمّل تبعات الحطام.
إن هذا التفاوت في المسؤولية يشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لموقفمصرف لبنان من مبدأ توزيع الأعباء.
فالدولة تتحمل المسؤولية الأساسية.
ويتحمل مصرف لبنان مسؤولية تكاد تضاهي وتنافس مسؤولية الدولة، نتيجةإخفاقه في أداء دوره كجهة ناظمة رقابية على القطاع المصرفي، وكمصرف للدولة يلتزم مقتضيات الرصانة المالية.
كما تتحمل المصارف التجارية، التي استفادت من هذا الوضع وحققت مكاسب من خلاله، مسؤولية لا يجوز لها التهرب منها تحت ستار الادعاء بأنها كانت مرغمة بسبب ضيق الإمكانيات المتاحة للإستثمار في الخارج أو مجرّد أداة ماليّة أو وسيط متجرّد بين المودعين والمصرف المركزي أو الدولة.
أما المودعون، فلا يتحملون أي مسؤولية مباشرة بل هم ضحايا هذا الانهيار.
5) هيكلية المعالجة
إن التعافي يتطلب العمل على خمسة مسارات متزامنة، لا بصورة متسلسلة بل بالتوازي:
1. التحديد الواضح للخسائر
إجراء تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان ونشر نتائجه كاملة، بالتوازيمع تقييمات مستقلة ومعتمدة دولياً لجميع المصارف التجارية.
فلا يمكن لأي خطة أن تكتسب المصداقية من دون هذه الركيزة الأساسية. إذ لابد أولاً من تحديد حجم العجز المالي بدقة قبل توزيع المسؤوليات والأعباء.
2. إعادة هيكلة القطاع المصرفي
تصنيف جميع المصارف ضمن ثلاث فئات: مصارف قابلة لإعادة الرسملة،ومصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة، ومصارف تستوجب المعالجة أو التصفية المنظمة.
ويجب أن تتولى هذه المهمة “هيئة مستقلة لمعالجة أوضاع المصارف”، تتمتع بصلاحيات قانونية واضحة، ومحصنة من التدخلات السياسية، وتعمل وفق مهلزمنية محددة وملزمة.
3. إعادة حقوق المودعين – الركيزة غير القابلة للتفاوض
توفير حماية الى أقصى حد ممكن من السيولة مع أولوية للمودعين الصغار والمتوسطين.
واعتماد آليات لاسترداد جزء من حقوق كبار المودعين من خلال مزيج منالمدفوعات النقدية والسندات المالية ABS))، والمساهمات الرأسمالية حيثما كانذلك مناسباً (Bail-in) .
وذلك ضمن جداول زمنية واضحة .
ولن يؤيد مصرف لبنان أي خطّة تُحمّل المودعين العبء الأكبر لخسائر لميتسببوا به.
وللإيفاء بالتزاماته في إطار سداد الودائع، سيعمل مصرف لبنان على تسييل جميع الأصول التي يملك صلاحية التصرف بها وبيعها، بما في ذلك حصصه وأسهمه في الشركات العاملة من دون استثناء، ومعظم محفظته العقارية التيراكمها على مرّ السنوات، بالإضافة إلى محفظته من الأوراق المالية، بما فيهاسندات اليوروبوندز. كما تشمل هذه الجهود جميع الديون المستحقة لمصرف لبنان على الدولة، والمثبتة في سجلاته والخاضعة للتدقيق والمصادقة.
وسيتم ذلك بما يضمن توفير أقصى قدر ممكن من الموارد والإمكانات، بما يمكّن مصرف لبنان من تحمّل حصته من المسؤولية المالية في معالجة هذه الأزمة والمساهمة في إيجاد حل عادل ومستدام لها.
4. إعادة هيكلة الدين السيادي
يجب معالجة التعثر الذي وقع في عام 2020 من خلال تسوية تفاوضية تستند إلى مبدأ تكافؤ المعاملة واستدامة الدين العام.
ويشكل ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة التي تتيح للبنان العودة إلىالأسواق المالية، والدين السيلدي يشمل الـEurobonds وسندات الخزينة بالليرةاللبنانية.
5. الإصلاح المالي
لا يمكن لأي معالجة مصرفية أن تنجح أو تستمر في ظل دولة لا تمول نفسها بنفسها وبصورة سليمة ومستدامة.
ويشمل ذلك إصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز إدارة الإيرادات، وترشيد كتلة الأجور في القطاع العام، وإلغاء أشكال الدعم ذات الدوافع السياسية.
فمصرف لبنان لا يستطيع طباعة الاستقرار المالي.
بل إن مسؤولية تحقيقه تقع على عاتق الدولة من خلال حسن الإدارة والحكم الرشيد.
وفي هذا السياق – قامت الحكومة الحالية مشكورة والمجلس النيابيبالإصلاحات التالية:
• أُقرت تعديلات قانون السرية المصرفية في عام 2025.
• أُقرت قانون إعادة هيكلة المصارف، وهو يخضع حالياً لمراجعة إضافية بناءً على طلب صندوق النقد الدولي، وسيُعاد إقراره بصيغته النهائية خلال عام 2026.
• كما أحالت الحكومة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (FSDR) إلىمجلس النواب، وهو مشروع سيشهد نقاشاً طويلاً وحاداً، إلا أنني أتوقع إقرارهفي نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027.
6) الجدول الزمني – بواقعية ووضوح
لن أقدّم الوهم المريح المتمثل بالتعافي السريع.
ما سأعرضه هو تصور واقعي، مع التأكيد أن كل محطة فيه تبقى مشروطة بتحقق ما يسبقها، وأن كل تأخير هو خيار يدفع المودعون ثمنه في نهايةالمطاف.
ينبغي أن تمتد المرحلة الأولى، أي مرحلة الاستقرار، على عامي 2026 و2027.
وتشمل استكمال التدقيقات الجنائية والمالية، وإقرار الإطار التشريعي الأساسي، وإطلاق عملية تصنيف المصارف، والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين.
هذه ليست أهدافاً طموحة فحسب، بل تمثل الحد الأدنى المطلوب لإثبات الجدية.
أما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2027 و2028، فيجب أن تبدأ عملية إعادةالهيكلة بصورة فعلية: تصنيف المصارف ومعالجة أوضاعها، وتسوية الدينالسيادي، وتحقيق تقدم ملموس في المؤشرات المالية العامة، والرفع التدريجيللقيود على حركة الرساميل مع عودة الثقة.
وستكون هذه المرحلة الأصعب، نظراً لتعقيداتها التقنية، وحساسياتها السياسية، وحاجتها إلى إرادة سياسية مستدامة لم يُظهرها لبنان حتى الآنبالقدر الكافي، لكنه لا بد أن يجدها.
أما بين عامي 2028 و 2030، فإذا ما نجحت المراحل السابقة، يصبح الانتقالإلى الوضع الطبيعي أمراً ممكناً.
فعندها يمكن استعادة وظيفة الائتمان، واسترجاع القدرة على النفاذ إلى الأسواق، وتوسيع نطاق إعادة حقوق المودعين، وإرساء إطار نقدي مستدام.
وعندها يعود لبنان إلى العالم، لا بوصفه قصة تحذيرية، بل بوصفه دولة قرر تأخيراً أن تحكم نفسها بنفسها.
لا شيء من ذلك حتمي.
لكن كل ذلك ممكن التحقيق.
والمسافة بين هاتين الحقيقتين اسمها الإرادة السياسية والادارة الرشيدة للمالالعام – من قبل الدولة ومصرف لبنان.
7) الاقتصاد الموازي – مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب واللائحةالرمادية
لا يمكن لأي رواية صادقة لهذه الأزمة أن تتجاهل “الاقتصاد الموازي”، بما يشمله من تدفقات غير مشروعة، وعمليات تبييض أموال، وممارسات فساد ساهمت في اختراق النظام المالي اللبناني وإضعافه.
إن وجود لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) لا يقتصرأثره على السمعة فحسب.
فهو يقيّد علاقات المراسلة المصرفية، ويرفع كلفة المعاملات المالية، ويوجه رسالةإلى العالم مفادها أن لبنان لا يزال عاجزاً عن ترسيخ مكانته كقناة مالية موثوقة وشفافة.
ومنذ نيسان 2025، اتخذ مصرف لبنان سلسلة واسعة من الإجراءات، شملت الإعتماد على شركات متخصصة في مكافحة “الإقتصاد الأسود” كـK2 Integrity ووضعت أدوات متطورة لرصد العمليات المالية، وتعزيز متطلبات اعرف عميلك (KYC) وإجراءات العناية الواجبة المعززة، وتطبيق متطلبات الشفافية المتعلقة بالمستفيد الحقيقي، وتحسين نوعية تقارير العمليات المشبوهة بصورة ملموسة، وتعزيز التعاون مع مجموعة العمل المالي (FATF) ومجموعةالعمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF) ومجموعةإيغمونت.
الاقتصاد الموازي في لبنان ليس ظاهرة هامشية.
فكل دولار يُتداول خارج النظام الرسمي لا يساهم في الإيرادات العامة، ولا في الاستقرار المالي، بل يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي والمالي.
وفي هذا الإطار، أطلق مصرف لبنان، بالتنسيق الوثيق مع وزارتي الماليةوالعدل، عملية تدقيق جنائي تتولى تنفيذها شركة Alvarez & Marsal، والتي – خلافاً لما روّجه بعض المشككين من شائعات، وتجاوزاً لما يطلب القانون الصادر عام 2024 – تتمتع بنطاق عمل أوسع بكثير من مجرد مراجعة الأموال التي دفعها مصرف لبنان بناءً على طلب الحكومات السابقة لتمويل برنامجالدعم.
وسيُغطي هذا التدقيق كل قرش تم دفعه من قبل مصرف لبنان أو تم تسهيلدفعه عبره خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول 2019 وحتى نهاية عام 2023. ويشمل ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، برنامج الدعم، كما يغطي الأموال المحولة إلى المصارف عبر التحويلات الدولية، والأموال المدفوعة بالنيابة عنالدولة.
وتُعد هذه العملية المرحلة الثانية من مهمة التدقيق الأصلية التي أوكلت إلىشركة Alvarez & Marsal، والتي كانت مرحلتها الأولى قد كُلّفت بها وزارةالمالية، وقد قدّم خلالها مصرف لبنان جميع البيانات والمعلومات المطلوبة، وفقاً لماأكدته الشركة رسمياً.
ويأتي هذا التدقيق، وليكن ذلك معلوماً للجميع ومأخوذاً في الاعتبار، في إطار الالتزام الثابت وغير القابل للمساومة من قبل مصرف لبنان بمبادئ الإفصاح والشفافية والمساءلة. إنّ إخراج لبنان من اللائحة الرمادية يشكل أولويةأساسية، لأن لبنان لا يستطيع أن يؤدي دوراً موثوقاً في النظام المالي العالميما لم يحقق هذا الهدف.
8) أموال الفساد – الثروة المنهوبة
إذا كان تمويل الإرهاب يشكل تهديداً خطيراً، فإن أموال الفساد لا تقل خطورةعنه، بل قد تكون أكبر حجماً وتفشياً.
والأخطر من ذلك أنّ الفساد يحظى في لبنان بقبول اجتماعي مبطّن.
فنحن نُجالس ونُسامر ونُدعى إلى مناسبات ونشارك في أفراح وأتراحأشخاص كانوا في صلب منظومة الفساد، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، وغالباما ندركه وننكره لأنفسنا قبل الآخرين.
ونتعامل مع الفساد إما بلامبالاة عقلانية، أو باشمئزاز عابر، لكن من دون أننرتقي إلى مستوى الرفض الحاسم الذي يحوله إلى قضية وطنية جامعة.
أما في مصرف لبنان، فإننا نعتبر هذه المعركة من ضمن أولويتنا، وسنخوضهاحتى النهاية.
فنحن نتحدث عن أموال استُخرجت بصورة منهجية من مصرف لبنان، ومن المؤسسات العامة، ومن العقود الحكومية، على مدى عقود طويلة، ثم حُوِّلت إلى الخارج أو أُخفيت داخل هياكل مالية معقدة ومغلقة.
إن الأمر لا يتعلق بفساد محدود أو عابر.
بل بسرقة كبرى استهدفت الشعب اللبناني ومصرفه المركزي ومودعيه.
لقد بلغت الأموال التي غادرت لبنان في الأشهر المحيطة بأحداث تشرين الأول2019 مليارات الدولارات.
بعضها كان مشروعاً في غياب الـ Capital Control وكثيراً لم يكن. بعضٌحوّله مستثمرون أو مودعون مميّزون أو مصرفيون وبعضه للأسف مسؤولون فيالدولة وفي مصرف لبنان.
ويتعاون مصرف لبنان بصورة كاملة مع السلطات القضائية اللبنانية، ويضعبتصرفها كل ما يجيزه القانون من معلومات وتحليلات مالية دعماً لأي ملاحقاتقضائية.
كما نتعاون مع سلطات قضائية أجنبية في سويسرا وفرنسا وألمانيا وLichtenstein واللكسنبورغ والمملكة المتحدة وغيرها من الدول التي تشهدإجراءات قضائية مرتبطة بأموال لبنانية محولة بصورة غير مشروعة.
وأود أن أكون واضحاً في هذا المجال:
إن أي أموال يتم استردادها من خلال هذه الإجراءات تعود للمودعين.
فهي ليست مورداً للدولة يمكن إعادة توجيهه أو التصرف به.
9) الخاتمة
حضرة الرئيس، أعضاء المجلس الموقّرون أيها السيدات والسادة،
إن الأزمة التي نعيشها اليوم لم تكن نتيجة ظرف عابر، ولن يكون الخروج منهانتيجة إجراء واحد أو عام واحد أو أعوام قليلة.
إنها تتطلب جُهداً جدّياً ومساءلةً واسعة وإصلاحاً جذرياً.
وحين تتوافر هذه العناصر، يصبح التعافي ممكناً، وتصبح استعادة حقوقالمودعين وإعادة بناء الدولة والقطاع المالي أهدافاً قابلة للتحقيق.
فالطريق واضح، والخيارات صعبة لكن معروفة، وما ينقصنا ليس المعرفة، بلالإرادة.





