الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

تعديل البيان الثلاثي:الحزب يعود لـ2000 وطرح كرم يطوق نتنياهو

أعادت إيران خلط الأوراق في المنطقة. أرادت دمج التفاوض بالنار، لربط الملفات أو لإعادة إحياء مبدأ وحدة الساحات أو الجبهات. نفذت تهديدها بضرب إسرائيل رداً على استهداف الضاحية الجنوبية، وبذلك أكدت استعدادها للعودة إلى توسيع الحرب وعدم التخلي عن لبنان. تنطلق إيران من قناعة بأن ترامب لا يريد العودة إلى الحرب، وتنظر إلى نفسها باعتبارها قادرة على إعادة فرض بعض القواعد، فلوحت بانضمام الحوثيين وغيرهم من حلفائها إن اقتضى الأمر وهو ما قاله قائد فيلق القدس عن إقامة حزام أمني لمحور المقاومة من مضيق هرمز إلى باب المندب وكأن إيران إنها قادرة على تطويق المنطقة مجدداً. لم يقتصر الأثر الإيراني على معادلة الضاحية فقط، بل على المفاعيل السياسية للإعلان الثلاثي المشترك الإسرائيلي الأميركي اللبناني وصولاً إلى إيجاد صيغة لتعديله وإن بشكل غير رسمي.

إيضاحات ميشال عيسى

منذ صدر البيان، ورفضه حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري، حتى بدأت اتصالات حثيثة عبر أكثر من طرف إقليمي مع الأميركيين للإشارة إلى أنه لا يمكن لأحد أن يسوق لهذا البيان، ولا يمكن اعتباره واضحاً بشأن مسألة وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي. استمرت الاتصالات للوصول إلى صيغة توضيحية. وهو ما ترجم في الجولة التي قام بها السفير الأميركي ميشال عيسى على الرؤساء الثلاثة، بينما كانت محطته الأهم عند رئيس مجلس النواب نبيه بري. إذ تحدث السفير الأميركي بوضوح عن مسألة وقف إطلاق النار الكامل، وعن المناطق التجريبية التي تنسحب منها إسرائيل قبل أن يدخل إليها الجيش ويعمل على تنظيفها عسكرياً وبعدها يعود السكان إليها، ويتم العمل على تعبيد الطرق وتوفير مقومات الحياة فيها، على أن يجري تعميم هذا النموذج على مختلف المناطق الأخرى. ومما قاله السفير الأميركي أيضاً أنه حتى لو كان هناك أثر للمفاوضات الإيرانية الأميركية على لبنان فلا مشكلة إن صب ذلك في مصلحة لبنان.

صيغة للبيان

في السياق، يتم البحث عن صيغة توضيحية للبيان الثلاثي الذي صدر عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية، قد لا تعلن بمعنى رسمي، ولكن يتم إيجاد طريقة لتوضيحها واعتمادها. وتشير الصيغة بوضوح إلى مسألة وقف إطلاق النار الكامل، على أن يكون المخرج التطبيقي بأن يوقف حزب الله عملياته العسكرية ضد القوات الإسرائيلية، وأن يوقف الإسرائيليون عملياتهم، وبعدها يتم الانتقال إلى مناطق تجريبية، ينسحب منها الإسرائيليون فيدخلها الجيش اللبناني، وبعدها يدخلها الأهالي. والحاجة للبحث عن صيغة توضيحية للبيان، تشير إلى الإشكالية بشأنه، وهي إشكالية واجهت الوفد اللبناني المفاوض والذي أراد رئيسه السفير سيمون كرم الانسحاب من الجلسة، لرفض اعتماد ما صدر، ولكن بعدها حصلت اتصالات بين الأميركيين، والسفيرة اللبنانية في واشنطن ورئيس الجمهورية لاعتماد النص.

تجريبية و”نموذجية”

هنا لا بد من الإشارة إلى أن فكرة المناطق التجريبية كانت بالأساس فكرة سيمون كرم ولكن وفق صيغة “مناطق نموذجية” وهو أراد اعتماد مدينة بنت جبيل في البداية نظراً لرمزيتها وأهميتها، واقترح أن ينسحب الإسرائيليون منها بالكامل، ويدخلها الجيش اللبناني وبعدها تدخل مؤسسات الدولة وتعمل على إعادة مقومات الحياة إليها، وتوفير مساعدات لها لإعمارها وعودة السكان إليها. مع التركيز على نقطتين أساسيتين لم تردا بشكل واضح في البيان، وهما الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة السكان إلى بلداتهم. كل الاتصالات التي تجري هدفها إعادة توضيح صيغة البيان، والتطبيق الفعلي لوقف النار، كي يبدأ رئيس مجلس النواب نبيه بري تحركاته وفق التعهد الذي قدّمه والمتعلق بانسحاب إسرائيل من الجنوب، مقابل سحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية من جنوب الليطاني.

كرم وجزين وجان عزيز

بالنسبة إلى كرم، إن أكثر ما يشدد عليه هو ضرورة عودة السكان، وعدم القبول بأي صيغة ملتبسة لتأخير عودتهم. وكرم صاحب تجربة في مثل هذه الحالات، منذ أن كلفته الدولة اللبنانية في العام 1992، أيام الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، بالتفاوض حول الانسحاب، ويومها طُرحت معادلة “جزين أولاً” أي أن تنسحب قوات الاحتلال وجيش لحد من منطقة جزين. طالت المفاوضات وتعثرت، بينما استمرت عمليات المقاومة في حينها، لتتجدد المبادرة في العام 1997، واستكملت في العام 1998، على وقع استمرار عمليات المقاومة التي أنتجت تحريراً لجزين في العام 1999، أي قبل سنة واحدة من تحرير الجنوب بالكامل عام 2000. وما لا يمكن أن يقبل به كرم أيضاً، هو منع عودة السكان إلى أراضيهم، وهو الذي لديه تجربة تاريخية أيضاً بمنع التهجير القسري إبان الحرب الأهلية، يوم طرحت معادلات الترانسفير المذهبي، حيث لعب دوراً إلى جانب خاله جان عزيز، الذي كان من رجالات الحركة الوطنية، لمنع تهجير أهالي بلدة العيشية المسيحية وهي تقع في محيط إسلامي، وإجراء عملية ترانسفير مع بلدة بنواتي المسلمة التي تقع في محيط مسيحي، وكانت هذه المحاولة في العام 1976.

لبنان والمسار الإيراني

ألزم ترامب نتنياهو بوقف التصعيد ضد إيران، انطلاقاً من السعي الأميركي للوصول إلى اتفاق إطار يمهد لاتفاق نهائي. في المقابل، يتمسك الإيرانيون بشرطهم حول ضرورة وقف إطلاق النار في لبنان بشكل كامل، وبأن طهران لن توقع أي اتفاق قبل تثبيت وقف النار الشامل ووقف عمليات التدمير والتجريف في الجنوب، وسعى الإيرانيون إلى وضع معادلة جديدة مفادها أنهم جاهزون للتدخل العسكري في حال واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب. إسرائيل في المقابل لا تزال ترفض ذلك، ويسعى نتنياهو لإقناع ترامب بعدم شمول لبنان بأي اتفاق مع إيران، ويحاول نتنياهو الحصول على ضوء أخضر من ترامب لمواصلة عمليته العسكرية في الجنوب حتى تفكيك البنية العسكرية للحزب. ما يريده نتنياهو في الجنوب هو الوصول للسيطرة على مدينتي صور والنبطية، والتوسع أكثر باتجاه جبل الريحان الذي كثف عمليات القصف فيه، ويعتبره الإسرائيليون الخزان الأساسي والفعلي لحزب الله ومخازنه الصاروخية ومواقعه العسكرية.

تريد إيران منع إسرائيل من التوسع العسكري في الجنوب، لذا لا تزال تهدد بالانخراط في الحرب، حرب لا تريدها أميركا التي تسعى مع الإيرانيين للامتناع عن القيام بأي ضربة عسكرية ضد إسرائيل لبضعة أيام ريثما تنجح واشنطن بإقناع تل أبيب بوقف النار كلياً. أما نتنياهو والذي لا يريد أي اتفاق مع إيران أو وقف للنار في لبنان فيجهد للتنصل من أي التزام ولتحييد لبنان عن المسار الإيراني.

معركة طويلة

يبدو لبنان وكأنه تحول إلى ساحة تنافس بين مشروعين، إيراني من جهة وإسرائيلي من جهة أخرى. ففي اللحظة التي أعلنت فيها إيران وقوفها إلى جانب لبنان، وهو ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والسفارة الإيرانية في بيروت، سارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى الردّ بوضع العلم الايراني إلى جانب علم حزب الله بدلاً من علم لبنان. لذا فإن التجاذب سيبقى قائماً، والصراع كذلك في ظل إصرار نتنياهو على مواصلة القتال، وسعي إيران لتثبيت المعادلات. وفي الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى فرض وقف إطلاق نار في الجنوب التدخل عسكرياً، مقابل رفض نتنياهو ذلك بشكل كامل، فمن الممكن الوصول إلى معادلة سعي إيران لتحييد المدن الكبرى في الجنوب وخصوصاً النبطية وصور، ومنع اسرائيل من التقدم إليهما أو تدميرهما، بينما تنحصر المواجهات بين إسرائيل والحزب داخل الأراضي المحتلة ومنطقة الخطّ الأصفر، على أن تتواصل العمليات العسكرية بالتزامن مع مواصلة المفاوضات للوصول الى اتفاق يقضي بوقف الحرب. هنا تتضارب الرؤى مجدداً، فحزب الله يريد من وراء ذلك تكرار تجربة العام 2000 ومواصلة عملياته لإنجاز التحرير، بينما إسرائيل تريد أن تستمر بالاحتلال والتفاوض بالنار والضغط على الدولة اللبنانية وبدعم أميركي، لسحب سلاح حزب الله وتفكيكه، وذلك يعني أن المعركة ستكون طويلة، ولن يكون أحد قادر على حسمها إلا الأميركي.

منير الربيع – المدن

زر الذهاب إلى الأعلى