الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

حِينَ يَعْطَشُ الوَطَنُ وَتُمْطِرُ الرُّوحُ.

غَيْمَةُ الوَفَاءِ.

بقلم أنطوان حربيّة.

في زمنٍ يزداد فيه الظمأ إلى القيم، ويبهت فيه ظلّ الانتماء، يطلّ الوطن كأرضٍ عطشى تنتظر غيمة ترويها. ليست غيمة ماء، بل غيمة من روحٍ تمطر وعيًا ومحبة، وتزرع في القلوب بذور العطاء. فالوطن لا ينهض بالشعارات، بل بمن يؤمن بأنّ الكلمة عمل، وأنّ الإخلاص مطر الحياة.

غيمةُ الروح التي تروي عطش الأوطان، ليست أنهارًا تغمر الدنيا وتنشر الخراب، بل هي غيمة من الوعي والقيم والضمير الحيّ. فما الوطن إلا انعكاس لأبنائه؛ يذبل إن جفّت قلوبهم، ويزهر إن هطلت عليها مزن المحبة والعطاء.

غيمة الروح هي الثقافة حين تتفتح في العقول، فتجعل من كل بيتٍ مدرسة، ومن كل كلمةٍ بذرة، ومن كل فكرةٍ نافذةً إلى المستقبل. وهي الأخلاق حين تتحوّل من شعارٍ إلى سلوك، ومن مظهرٍ إلى جوهر، فتسقي العلاقات بالاحترام، وتروي القلوب بالتسامح. وهي الإيمان العميق بأنّ حب الوطن لا يُقاس بالكلام، بل بما نقدّمه له من صدقٍ وعملٍ وإبداع.

حين يعطش الوطن، لا يطلب سوى غيمةٍ تُظلّل أبناءه وتُحيي تربته. عطشه ليس للماء وحده، بل للعدل الذي يرفع المظلوم، وللعلم الذي يضيء الدروب، وللوحدة التي تُذيب الفُرقة، وللحب الذي يجعل من الشعب جسدًا واحدًا وروحًا واحدة.

ولأنّ الغيم لا يختار أرضًا دون أخرى، فإنّ غيمة الروح لا تعرف حدودًا. هي رسالة لكل جيل أن يكون عطاءً متجدّدًا، وأن يسهم كلّ فردٍ بقطرةٍ من إخلاصه، لتجتمع القطرات، فيفيض الوطن حياةً وكرامة.

فلنكن جميعًا غيمةً صافية، تمطر وقت الجدب، وتنعش وقت اليأس، وتترك أثرها في كل أرضٍ تعبرها. فالوطن الذي يسكن فينا عطِشٌ دائم إلى الوفاء، وغيمةُ الروح وحدها قادرة على أن ترويه، لكي يبقى حيًّا، نابضًا، ومشرقًا في ذاكرة الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى