الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

الدفاع عن هويّة وطن كامل كتب اسمه بالحرف والفكر والإبداع

منذ بدايات الهجرة من لبنان إلى الأميركيتين والعالم، كان المهاجر اللبنانيّ يخرج من أرض صغيرة بمساحتها، كبيرة بأهلها وثقافتها وطموحها. وفي تلك المرحلة، لم يكن اسم لبنان معروفاً عالمياً كما هو اليوم، إذ كانت المنطقة تُعرَف أكثر باسم “بلاد الشام”، نظراً لاتساع الجغرافيا السورية وحضورها السياسي والإداري في الوعي العالمي آنذاك. لذلك، كان كثير من المهاجرين اللبنانيين، عندما يُسألون من أين هم، يجيبون بأنهم من “بلاد الشام”، قبل أن يشرحوا أن قريتهم أو بلدهم هي في لبنان.

لكن مع الزمن، لم يبقَ لبنان مجرد اسم صغير على خريطة الشرق، بلّ صار بفضل أبنائه علامة ثقافيّة وفكريّة مضيئة في العالم. فمن الأدب إلى الصحافة، ومن الشعر إلى الفكر والفن، استطاع اللبنانيون أن يفرضوا حضورهم وأن يجعلوا اسم لبنان معروفاً في كلّ القارات. وكان لأدباء المهجر، الدور الأبرز في نقل صورة لبنان الثقافيّة إلى العالم، حتى بات اسم لبنان يُذكَر من خلال إبداعهم وفكرهم وحضورهم الإنساني الكبير

بدأ الجدل من نيويورك، من نصبٍ تذكاريّ أُقيم لتكريم كبار أدباء المهجر: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، حيث جرى تقديمهم على أنهم من “الهوية السورية”، في خطوة أثارت غضباً واسعاً في تأريخ النهضة العربيّة. فالقضية هنا لا تتعلق بتفصيل بروتوكوليّ أو توصيف عابر، بلّ بمحاولة طمس حقيقة تأريخيّة وثقافيّة ثابتة وموثقة، يعرفها كل من قرأ تأريخ الأدب العربي الحديث.

لبنان ليس مجرّد بقعة جغرافيّة على شاطئ المتوسط، بلّ منارة فكرٍ وحضارةٍ وثقافة. من جبيل، أقدم مدينة مأهولة في العالم، خرج الحرف إلى الإنسانية، ومن جبال لبنان ووديانه ومدارسه وجامعاته، خرجت أسماء صنعت نهضة الشرق العربيّ وأعادت للأدب العربيّ بريقه في العصر الحديث. لم يكن لبنان يوماً طارئاً على الثقافة، بلّ كان قلبها النابض وصوتها الحرّ.
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين كان الشرق يعيش مخاض النهضة الفكريّة، برز أدباء ومفكرون لبنانيون حملوا قضايا الإنسان والحريّة والهويّة إلى العالم، لم تكن مجرّد أسماء في كتب الأدب، بلّ كانت أعمدة النهضة العربيّة الحديثة، ومنارات فكريّة أغنت مكتبات الشرق والعالم.

وكان لأدباء المهجر، على سبيل الذكر لا الحصر
جبران خليل جبران، ابن بلدة بشري اللبنانيّة، حمل لبنان في قلبه إلى نيويورك والعالم. لغته، صوره، حنينه، وحتى فلسفته الإنسانيّة، كانت مشّبعة بروح لبنان وجباله وأرزه.
ميخائيل نعيمة، ابن بسكنتا، أعاد صياغة الفكر النقديّ والأدبيّ العربيّ بلغة عميقة وحديثة،
بينما كان أمين الريحاني، ابن الفريكة، من أوائل من دعوا إلى الحوار بين الشرق والغرب وإلى نهضة عربيّة قائمة على الحريّة والعقل.
أحمد فارس الشدياق من رواد النهضة العربية، وكان له أثر كبير في تطوير اللغة والصحافة.
محمد علي شمس الدين، من أبرز شعراء لبنان المعاصرين.
كذلك، حسن كامل الصباح، شخصيّة علميّة وفكريّة بارزة.
حسين مروة، صاحب أعمال مهمّة في الفكر العربيّ.

هؤلاء وغيرهم لم يكونوا شخصيات عابرة أو مجهولة الهويّة. قراهم ما زالت قائمة في لبنان، بيوتهم ومتاحفهم ومخطوطاتهم محفوظة على أرضه، وذكراهم حيّة بين أهلهم وأحفادهم وأبناء بيئتهم. هناك عائلات وأقارب وأناس تعلموا منهم وتأثروا بإرثهم الفكريّ والثقافيّ، وبعض أفراد عائلاتهم ما زالوا أحياء حتى اليوم. فكيف يمكن لأي مناسبة أو نصب أو خطاب في الخارج أن يتجاوز هذه الحقيقة الواضحة كالشمس، ويحاول نسب هؤلاء الأدباء إلى هوية أخرى تمحو جذورهم اللبنانيّة؟

إن التأريخ الثقافيّ ليس تفصيلاً بسيطاً، بل خطر على ذاكرة الأجيال القادمة. فحين يُترك المجال لتشويه الحقائق، يصير ممكناً بعد سنوات أن ينشأ جيل لا يعرف من صنع النهضة العربيّة، ولا من رفع اسم لبنان عالياً في العالم. الأخطر من ذلك، أن الصمت أمام هذا الخطأ الحاصل يفتح الباب أمام ضياع جزء من الهويّة الثقافيّة اللبنانيّة نفسها.

اليوم، لا يكفي أن يبقى الدفاع عن لبنان محصوراً بالسياسة والأزمات اليوميّة. المعركة الحقيقيّة أيضاً هي معركة ثقافة وذاكرة وهويّة. فمن دون حماية الإرث الفكريّ اللبنانيّ، تضيع صورة لبنان التي عرفها العالم: لبنان الكتاب، والشعر، واللغة، والصحافة، والمسرح، والفكر، والحريّة.

أين صوت المثقفين اللبنانيين؟ أين الجامعات، واتحادات الكتّاب، والمغتربون اللبنانيون المنتشرون في العالم؟

لا يمكن القبول بتغييب حقيقة تأريخيّة موّثقة باتت معلومة للجميع،
آن الأوان لأن يتحرك أهل الثقافة والفكر للدفاع عن هذا الإرث، لا بروح التعصب، بل بروح حماية الحقيقة التأريخيّة وصون ذاكرة لبنان الثقافيّة.
فلبنان الذي أعطى الشرق جبران ونعيمة والريحاني، وغيرهم لا يجوز أن يُسرق منه تأريخه بصمت. لأن الدفاع عن هؤلاء ليس دفاعاً عن أسماء فقط، بل عن هويّة وطن كامل كتب اسمه بالحرف والفكر والإبداع.

إن ما حصل في نيويورك ليس تفصيلاً عابراً يمكن تجاهله، بل حادثة لم يُعلم بعد من وراءها لذلك، يتطلب الأمر دفاعاً واضحاً وتصحيحاً علنياً للحقيقة قبل أن يتحول إلى أمر واقع يتكرر مع الزمن.
الحقيقة لا يمكن طمسها، لأن التأريخ الحقيقيّ لا يُكتب بالدعاية، بلّ بالحقائق والجذور والذاكرة الحيّة.

 ندين صموئيل شلهوب – صحيفة الشرق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى