أعلن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد “أنّ المصرف المركزي ليس خصمًا للحكومة، ولا تابعًا لها، والواجب الأول للمصرف المركزي المستقلّ ليس معارضة الحكومة، بل الحفاظ على الانضباط الذي يحمي الحكومة في النهاية من عواقب تجاوزاتها، لأنّه عندما تفقد الدولة الانضباط النقدي، لا تضعف عملتُها فحسب. بلّ تضعف الثقة، ويضعف الاستثمار، ويضعف النمو، ويضعف الإقتصاد، وتذوب الثروات، وتتبخّر المدّخرات”.
وأوضح في لقاء حاشد في مقر الرابطة المارونيّة برئاسة رئيسها المهندس مارون الحلو “أنّ هدف استقلال المصرف المركزي هو ضمان وجود مؤسسة واحدة داخل البنية الدستوريّة للدولة قادرة عند الضرورة، على قول “لا”. لا للاقتراض المفرط. لا لتمويل العجز الهيكلي عن طريق الإصدار النقدي. لا للتمويل التضخمي. لا للمصلحة السياسيّة قصيرة الأجلّ عندما تهدّد الاستقرار الوطني طويل الأجل. “لا” لتسليف الحكومات دون أي قيد، أو شرط، أو عقد، أو مسودّة عقد من أموال الغير- أي من أموال المودعين تحديدًا”.
واشار إلى “أن لبنان لم يفشل ماليًّا لأنّه كان يفتقر إلى القوانين بلّ فشل لأنّه توقف تدريجيًا عن احترامها”، واعتبر “أنّ التشريع الأهمّ والأكثر تعقيدًا هو قانون الإنتظام المالي وسداد الودائع الذي هو في طور المذاكرة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، مع إشتراك المصرف المركزي في بعض جوانبه من حينٍ الى آخر”، مؤكداً “أن هذا القانون لن يحظى بدعم مصرف لبنان إذا لم يكن مرتكزًا على أسس قانونيّة ثابتة، ومقاربة إقتصاديّة واقعيّة وعدالة إجتماعيّة محقّة. ومن بين هذه الأهداف الأساسيّة:
1) تحمُّل كل الأطراف: الدولة، المصرف المركزي، والمصارف التجاريّة الأعباء الإقتصاديّة للأزمة مع تقاسم الموجبات بينهم بشكل واقعي وعادل.
2) عدم تحمّل المودعين – وفي أولويتهم صغار المودعين ( أي ما دون الـ 100،000 دولار) – كلفة عالية والاستفادة من أسرع طرق السداد حسب توفر السيولة.
3) إعطاء القطاع المصرفي اللبناني – قبل غيره – فرصة حقيقيّة لإعادة الرسملة والهيكلة للإستمرار في تقديم الخدمات والإشتراك في عملية النهوض الإقتصادي.
4) مساءلة ومحاسبة جميع من قام بعمليّات مشبوهة وإسترداد الأموال المسلوبة لزيادة مخزون السيولة بهدف سداد الودائع”.
وكان اللقاء بين رئيس وأعضاء الرابطة المارونيّة حضره وزراء ونواب سابقون ورؤساء رابطة سابقون وعدد من نقباء المهن الحرّة ورؤساء مجالس ادارة ومديرون عامون وأعضاء المجلس التنفيذي للرابطة ورئيس وأعضاء المجلس العام الماروني ورؤساء وأعضاء اللجان في الرابطة.
بدأ اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني، وتولت الصحافيّة سابين عويس إدارة الحوار.
ورحّب رئيس اللجنة الاقتصاديّة والماليّة في الرابطة حاتم حاتم بالدكتور سعيد، قائلاً “نتطلع للاستماع إلى رؤية حاكم المركزي وقراءته للواقع المالي الحالي والخطط المستقبليّة التي يقودها مصرف لبنان للعبور نحو التعافي المأمول”.
رئيس الرابطة
بعدها، كانت رئيس الرابطة المارونيّة المهندس مارون الحلو وجاء فيها “يسرُّنا في الرابطة المارونيّة أن نرحّبَ بزيارتكم التي تحملُ بُعدًا خاصًا، ليس فقط لكونِكم تتولّون واحدةً من أكثرِ المسؤوليّات حساسيّة في هذه المرحلةِ الدقيقةِ من تاريخ وطنِنا وأنتم خيرُ أهل لها لما تمتلكون من خبرة مهنيّة وإلمام كبير بالاصلاح والمسؤوليّة، بل أيضًا لما تمثّلونَه من امتداد لعائلة لبنانيّة عريقة لها حُضورُها المميّز في الحياةِ الوطنيّة والسياسيّة، وأسهمت على مدى عقود في خدمةِ لبنان وتعزيزِ مكانتِه..”.وقال “حضرة الحاكم، لقد تسلّمتم مسؤوليّاتِكم في ظرف استثنائي، حيث يواجهُ لبنان منذ سنوات أزمة ماليّة ونقديّة واقتصاديّة غيرَ مسبوقة، انعكست على حياةِ اللبنانيين ومستقبلِ أجيالِهم وثقتِهم بدولتِهم ومؤسساتِهم. وإنّ حجم التحدّيات الملقاة على عاتقِ مصرف لبنان اليوم يتجاوزُ حدودَ الإدارةِ النقديّة التقليديّة، ليطال إعادةَ بناء الثقةِ بالقطاعِ المالي والمصرفي، وحماية الاستقرار النقدي، والمساهمة في إطلاق مسارِ التعافي الاقتصادي، بالتعاون مع السُلطات الدستوريّة والهيئات المختصة كافةً”. أضاف الحلو “إنّ اللبنانيين في ظل حاكميتِكم يتطّلعون إلى مرحلة جديدةٍ قِوامُها الشفافيّةُ والحوكمةُ الرشيدةُ والإصلاحُ الجادّ، وإلى دورٍ فاعل لمصرف لبنان في استعادةِ الثقةِ الداخليّة والخارجيّة، بما يفتحُ البابَ أمام النهوضِ الاقتصادي وتوجيهِ هذا القطاع نحو خيارات أكثرَ عدالة واستدامة ّواستعادةِ مكانة لبنان الماليّة في المنطقةِ والعالم. من هذا المنطلق، نأملُ أن تشكل ولايتُكم محطّة إنقاذيّة لإرساءِ أُسُسِ الاستقرارِ واستعادةِ الانتظامِ المالي والنقدي، والانتقالِ من مرحلةٍ مشوبة بالانهيارِ والانحدارِ الدراماتيكي إلى مرحلة من الاستقرارِ النقدي والتوازنِ المالي، وأنّ تساهمَ خُبراتُكم وعلاقاتُكم ورؤيتُكم في وضعِ لبنان على سِكّة التعافي الحقيقي واعادة هيكلة القطاعِ المصرفي على أُسُس صلبة، بما يحفظُ حقوقَ المودعين ويعيد تحريك عجلة الاقتصاد ويعزّز مناعة الدولة ومؤسساتها”.
وأكّد “أنّ قضيّة الودائع تبقى قضيّة اساسيّة وهي ليست مجرد أرقامٍ بلّ تعبُ أعمارِ الناس وحقوقُهم، وسدادُ الودائع وفقَ خُطة عادلة وشفافة وهذه أولويّة. فمسيرتُكم المهنيّة والماليّة شكّلت نَموذجًا للكَفاءةِ والخبرةِ والنزاهة، ما يجعلُ الثقةَ بقُدرتِكم على مواجهةِ التحدّيات الراهنة وتحقيقِ أهدافِكم أمرًا مسلّمًا به، وقد استمعنا إلى برنامجِ عملِكم والحلول المقترحة في لقائِكم مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وندركُ حجمَ المسؤوليّة المُلقاة على عاتقِكم لكنّنا واثقون أنّكم الأقدر على إنجازِ هذا الدور الانقاذي لما وصفتموه بالازمة النظاميّة”.
وختم “أهلًا وسهلًا بكم بين أهلِكم وإخوانِكم في الرابطةِ المارونيّة، متمنين لكم التوفيقَ والنجاحَ في هذه المهمّةِ الوطنيّةِ، لما فيه خيرُ لبنان وجميعِ أبنائِه والتأسيسُ لمستقبلٍ أكثرَ استقرارًا وازدهارًا”.
حاكم المركزي
ورد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد قائلًا “اسمحوا لي أولًا أنّ أعرب عن خالص الشكر للرابطة المارونيّة، ولا سيما مجلسها الاقتصادي، على دعوتهم الكريمة. هذه هي المرّة الثانية التي أتشرف فيها بمخاطبة هذا المنبر الرفيع، أنني آمل أن تصبح هذه اللقاءات تقليدًا مستمرًا. فقليلة هي المؤسسات في لبنان التي تجمع بين الذاكرة التاريخيّة، والفكر الحرّ، والالتزام الوطني، والاهتمام الحقيقي بمستقبل بلدنا كما فعلت الرابطة المارونيّة طوال تاريخها. لذلك، فإن تبادل الأفكار مع جمهور يدرك أن المسائل الاقتصاديّة ليست مسائل مادية بحتة بل هي سياسية، ومؤسساتية، وإجتماعية، وفوق كل ذلك، مسائل وطنيّة لأنّها تتعلّق بطريقة ترشيد المال العام، وحماية المال الخاص، وتوزيع المسؤوليّة، وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة. حديثنا اليوم ليس عن أسعار الفائدة أو أسعار الصرف، ولا عن التضخّم أو الرقابة المصرفيّة. فهذه المواضيع مهمّة بلا شك، لكنّها ليست سوى نتائج لشيء أكثر أهميّة وأعمق”.
أضاف “أريد أنّ أتحدّث عن أهميّة ودور المؤسسات. وبشكلٍ أكثر تحديدًا، أريد أنّ أتحدّث عن استقلال المؤسسات، ولماذا يشكل استقلال مصرف لبنان المالي والإداري أحد الشروط الأساسيّة لتعافي لبنان الإقتصادي في الحاضر كما في المستقبل.
لفهم مستقبل مصرف لبنان، يجب أن نعود أولًا إلى نشأته. تأسس مصرف لبنان عام 1963 بموجب قانون النقد والتسليف الصادر في 1/8/1963، في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب. وقد خلّد التاريخ الرئيس شهاب ليس فقط كرئيس للدولة، بلّ كأحد أهمّ بناة المؤسسات اللبنانيّة الحديثة. ولكنّه أيضًا ورث دولة حديثة ومؤسسات دستوريّة من الرئيس المؤسس في عام 1943 كما ورث من سلفه الرئيس كميل شمعون إقتصادًا مزدهرًا ساعد وحفّز على نشأة قطاع مصرفي واعد ومنفتح على العالم العربي والغربي. لم يكن إرث هؤلاء الرؤساء جميعًا حركة سياسيّة، أو حزبًا، أو حتى مدرسة اقتصاديّة معينة، بلّ كان إرثهم مؤسساتيًّا، والرئيس فؤاد شهاب بالأخصّ أدرك أنّ قوّة الأمة لا تكمن في شعبيّة قادتها، بل في صلابة المؤسسات التي يرتكزون عليها. مؤسسات مستقلّة. إدارات كفؤة. أجهزة مهنيّة. مؤسسات تحكمها القوانين لا الشخصيّات. وكان مصرف لبنان واحدًا من هذه المؤسسات. وقد عكس إنشاؤه رؤية ّدستوريّة حديثة بشكل لافت. فقد أدرك واضعو قانون النقد والتسليف أن الاستقرار النقدي لا يمكن تحقيقه إذا تمّ التعامل مع المصرف المركزي كدائرة حكوميّة عاديّة. كما أنّه لا يستطيع أداء مهمته إذا أصبح مجرّد مصرف تجاري آخر ينافس في السوق الخاصة. لذلك، أنشأوا شيئًا فريدًا”.
ّوأشار الحاكم إلى “أنّ المادة 13 من قانون النقد والتسليف تنصّ على أن مصرف لبنان شخص معنوي من القانون العام يتمتع بالإستقلال المالي وهو يُعتبر تاجرًا في تعامله مع الغير. ففي الجزء الأول من دوره هو مصرف الدولة. يَحفظ إيداعات المؤسسات العامة، وأموال الخزينة، ويسدّد الموجِبات عن الدولة من حساباتها ويتذاكر مع الحكومة في الأمور الماليّة والنقديّة عند الإقتضاء. ويعمل كناظم للقطاع، ويشرف على المصارف التجاريّة، وينظّم المؤسسات الماليّة ومؤسسات الصرافة وشركات التمويل وأنظمة الدفع.
أما في الجزء الآخر فهو مصرف عادي يقوم بعمليّات وتوظيفات ماليّة مع مصارف أخرى في لبنان والخارج. يُصدر سندات إيداع، يَحسم سندات خزينة، يَشتري ويَبيع العملات المحليّة والأجنبيّة. هذه الطبيعة المزدوجة تجعل المصرف المركزي شخصًا معنويًا فريدًا(sui generis) فهو عامّ في مهمّته، وخاص في بعض تعاملاته، ومستقلّ في ممارسة كلتا الوظيفتين، وهذا التمييز أساسي”.
استقلال المصرف المركزي
وأكّد سعيد “أنّ مصرف لبنان هو مصرف الدولة التي هي المساهم الأوحد في رأسماله. ويجب ألا يُصبح مصرفيّ الدولة أو الوسيط المالي للحكومات. قد يبدو المفهومان متشابهَين، لكنّهما يصِفان واقعَين دستوريَّين مختلفَين تمامًا كون المصرف المركزي مصرف الدولة يُعنى بحماية النظام النقدي للبلاد، وتسهيل العمليّات الماليّة العامة ضمن الحدود التي يحدّدها القانون، والحفاظ على الثقة بالعملة الوطنيّة. أمّا أن يُصبح مصرفيّ الحكومات فيعني شيئًا مختلفًا كليًا: يعني تمويل الخيارات السياسيّة بغضّ النظر عن الانضباط الاقتصادي. يعني إخضاع السياسة النقديّة للدورات الانتخابيّة. يعني السماح للتراخي المالي بتقويض الاستقرار النقدي تدريجيًا، يعني استبدال الحكم المؤسساتي بالتسهيل السياسي.
ولهذا السبب بالذّات، إعترفت كلّ الديمقراطيّات الحديثة تدريجيًا بضرورة وجود مصرف مركزي مستقل. وقد عرفَ لبنان ذلك منذ عام 1963، أي منذ نشأة المصرف المركزي.
غالباً ما يُساء فهم الاستقلال. يتصوّر البعض أنّه يمنح السلطة المطلقة للمصرف المركزي أو يسمح بعدم المساءلة أو التفرّد بالقرارات الماليّة والنقديّة. ويتصوّر آخرون أنّه يضع الحاكميّة (ويعنى بذلك الحاكم والمجلس المركزي) فوق المؤسسات الديمقراطيّة أو في مواجهتها. وكِلا الافتراضَين غير صحيح – على الإطلاق”.
ولفت إلى “أنّ استقلال المصرف المركزي ليس امتيازًا يُمنح. بل هو حماية تُعطى للدولة والاقتصاد على السواء. فالمصرف المركزي خاضع للرقابة من قبل الحكومة، وللمساءلة من قبل القضاء، وللمحاسبة أمام الدستور الذي عليه يحلف أعضاء الحاكميّة أمام فخامة رئيس الجمهورية رأس الدولة في لبنان.
إنّما هدف الاستقلال ضمان وجود مؤسسة واحدة داخل البنية الدستوريّة للدولة قادرة عند الضرورة، على قول “لا”. لا للاقتراض المفرط. لا لتمويل العجز الهيكلي عن طريق الإصدار النقدي. لا للتمويل التضخمي. لا للمصلحة السياسيّة قصيرة الأجل عندما تهدّد الاستقرار الوطني طويل الأجل. “لا” لتسليف الحكومات دون أي قيد، أو شرط، أو عقد، أو مسودّة عقد من أموال الغير- أي من أموال المودعين تحديدًا.
بهذا المعنى، ليس المصرف المركزي خصمًا للحكومة، ولا تابعًا لها. إنّه أحد الضوابط الاداريّة التي تحافظ على التوازن بين الطموح المالي والانضباط النقدي. هذه الفلسفة تتخلّل قانون النقد والتسليف. فلو قرأ المرء المواد من 88 إلى 91 بعناية، لأدرك فورًا أن تمويل الدولة من قبل المصرف المركزي ليس المبدأ بل هو الإستثناء في حالات غير مسبوقة وفي أقصى ظروف الضرورة والحاجة.
لم يقصد المشرّع أن يصبح هذا التمويل مبدأً دائمًا – أو قاعدة ثابتة. ولم يقصد المشرّع أن تصبح السياسة النقديّة بديلًا عن السياسة الماليّة السليمة. وللأسف، فإن أحد الدروس الرئيسيّة للأزمة الماليّة الحاليّة هو أن الإجراءات الاستثنائيّة أصبحت تدريجيّا ممارسات عاديّة”.
الانضباط المالي
وأوضح حاكم المركزي أنّه “على مدى سنوات عديدة، حلّ التيسير النقدي محل الانضباط المالي. وتلاشى التميّيز بين المساعدة المؤقتة والتمويل الهيكلي شيئًا فشيئًا . ومع تراكم العجز العام، انتقل العبء بشكل متزايد إلى ميزانيّة المصرف المركزي، وفي النهاية إلى القطاع المصرفي والمدخرات التي أودعها اللبنانيّون فيه.
هذه الملاحظة ليست بدافع الاتهام أو التجنّي، بل بمنحى التشخيص الموضوعي. أنّ المؤسسات تتدهور رويدًا رويدًا قبل أن تنهار فجأة. لا تفقد أي مؤسسة استقلالها بين ليلة وضحاها بلّ تتخلّى عنه تدريجيًا، استثناءً بعد آخر، حتى تصبح الاستثناءات عادات، والعادات سياسة. وربما يكون هذا أعظم درس مؤسساتي في تاريخنا المالي الحديث. لذلك، فإن الواجب الأول للمصرف المركزي المستقلّ ليس معارضة الحكومة، بل الحفاظ على الانضباط الذي يحمي الحكومة في النهاية من عواقب تجاوزاتها. لأنّه عندما تفقد الدولة الانضباط النقدي، لا تضعف عملتها فحسب. بل تضعف الثقة، ويضعف الاستثمار، ويضعف النمو، ويضعف الإقتصاد، وتذوب الثروات، وتتبخّر المدخرات. وفي النهاية، تبدأ مؤسسات الدولة، نفسها، تفقد مصداقيتها”.
الاصلاحات
أضاف سعيد “بعد الحديث عن المؤسسات، اسمحوا لي الآن أن أنتقل إلى الإصلاحات. أصبحت كلمة “الإصلاح” من أكثر الكلمات رواجًا واستخدامًا في ّلبنان. كلّ حكومة تتحدث عن الإصلاح. وكلّ مؤسسة دوليّة تدعو إليه. وكل برنامج سياسي يَعِدُ به. لكن يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا أساسيًا: ما هو الإصلاح؟
الإصلاح ليس مجرّد تعديل قانوني. وليس إضافة فقرة، أو حذف مادّة، أو استيراد مفاهيم قانونيّة وضعت في مكان آخر لحالات مختلفة عن واقعنا الدستوري والقانوني والتشريعي. لو كان الأمر كذلك، لكان لبنان قد أصلح منذ زمن طويل. لم تكن مأساة لبنان غياب القوانين.
في الواقع، كان إطارنا القانوني، خاصة في المجال المصرفي والمالي، من أكثر الأطر تقدمًا في المنطقة. ولا يزال قانون النقد والتسليف، بعد أكثر من ستين عاماً على صدوره، تشريعًا استثنائيًا. فقد أنشأ مصرفًا مركزيًا حديثًا، وحدّد مُهمته الدستوريّة، وصان إستقلاله، وأوجد بنية رقابيّة حاولت دول كثيرة لاحقًا تقليدها. لم يفشل لبنان ماليًا لأنّه كان يفتقر إلى القوانين .بل فشل لأنّه توقّف تدريجيًا عن احترامها.
أصبح حكم القانون، في كثير من الأحيان، مسألة وجهة نظر لا مسألة مبدأ. فالقواعد التي كان يُفترض أن تُطبَّق على الجميع بالتساوي أصبحت تُطبَّق بشكل انتقائي. وأصبحت الاستثناءات ممارسة شائعة. والتدابير المؤقتة سياسات دائمة. وما كان يجب أن يبقى إستثنائيًا أصبح عاديًا تدريجيًا. ولهذا السبب يجب فهم جهدنا الإصلاحي الحالي فهمًا صحيحًا.إنّه ليس تمرينًافي التشريع أو في صياغة القوانين. بل هو مسار لإعادة الثقة بالمؤسسات – وتصحيح نمط العمل العام”.
بطبيعة الحال، يُشجّع العديد من هذه الإصلاحات صندوق النقد الدولي وشركاؤنا الدوليّون. ولا ينبغي أن يثير ذلك قلقنا أو يستدعي معارضة غير ضروريّة. على العكس، يجب أن نرحب بالاتجاه الذي يشجعونه، والزخم الذي يخلقونه، والثقة التي يُلهمونها لدى المستثمرين والأسواق والمؤسسات الماليّة الدوليّة.
لكن تبنّي الإصلاح لا يعني التخلّي عن الحكم أو عن القوانين المرعية الإجراء. مسؤوليتنا في مصرف لبنان ليست الابتعاد عن متطلبات الإصلاح، وليست في الوقت عينه قبول الإملاءات دون إبداء الرأي المستقل أو الملاحظات البنّاءة عند ّالحاجة والإعتراض الشديد عند الضرورة. مسؤوليتنا هي ضمان أن يكون كل إصلاح متوافقًا مع البنية الدستوريّة والقانونيّة اللبنانيّة، وأن يعزّز مؤسساتنا بدلًا من إضعافها، وأن يكون قابلًا للتنفيذ دون خلق غموض أو تناقض داخل الجسم التشريعي.
لا يُقاس التشريع الجيد بأهدافه فقط .بل يُقاس بتماسكه. النظام القانوني يشبه الهيكل. لا يُستبدل عمود بآخر لمجرد أنّه يبدو أقوى في مكانٍ آخر. يجب أن تتناسب كلّ حجرة جديدة مع الهيكل القائم. وإلّا فإنّ المرء يخاطر بإضعاف الصرح بأكمله. هذا بالضبط نهجنا. لقد تمّ الآن إقرار التعديلات على قانون السريّة المصرفيّة. فهي تعزّز الشفافيّة مع الحفاظ على الحقوق التي يضمنها الدستور”.
اعادة هيكلة المصارف
كما يتمّ البحث مجددًا بقانون إعادة هيكلة المصارف، الذي يشكل خطوة أساسيّة نحو استعادة الثقة بالقطاع المصرفي. هذا القانون لا يهدف فقط إلى معالجة الخسائر المتراكمة، بل يضع أيضًا إطارًا واضحًا لإعادة رسملة المصارف القادرة على الاستمرار، وتصفية تلك التي لا تستطيع الاستمرار بطريقة تحمي المودعين قدر الإمكان
ويبقى التشريع الأهم والأكثر تعقيدًا ألا وهو قانون الإنتظام المالي وسداد الودائع الذي هو في طور المذاكرة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، مع إشتراك المصرف المركزي في بعض جوانبه من حينٍ الى آخر. وهنا أود أن أؤكد أن هذا القانون لن يحظى بدعم مصرف لبنان إذا لم يكن مرتكزًا على أسس قانونيًة ثابتة، ومقاربة إقتصاديًة واقعيًة وعدالة إجتماعيًة محقّة.
ومن بين هذه الأهداف الأساسيًة:
1) تحمُّل كل الأطراف: الدولة، المصرف المركزي، والمصارف التجاريّة الأعباء الإقتصاديّة للأزمة مع تقاسم الموجبات بينهم بشكل واقعي وعادل.
2) عدم تحمّل المودعين – وفي أولويتهم صغار المودعين ( أي ما دون الـ 100،000 دولار) – كلفة عالية والاستفادة من أسرع طرق السداد حسب توفر السيولة.
3) إعطاء القطاع المصرفي اللبناني – قبل غيره – فرصة حقيقيّة لإعادة الرسملة والهيكلة للإستمرار في تقديم الخدمات والإشتراك في عملية النهوض الإقتصادي.
4) مساءلة ومحاسبة جميع من قام بعمليّات مشبوهة وإسترداد الأموال المسلوبة لزيادة مخزون السيولة بهدف سداد الودائع”.
وأوضح “أنّ الطريق إلى التعافي لن يكون سهلًا. فالأزمة التي مررنا بها كانت عميقة ومؤلمة، ولا يمكن تجاوزها بقرارات سريعة أو شعارات سياسيّة. بل يتطلب الأمر انضباطًا وإرادة حقيقيّة، لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وبين المؤسسات والاقتصاد.
في الختام، أودّ أنّ أؤكّد أنّ استقلال مصرف لبنان ليس هدفًا في حدّ ذاته، بل هو وسيلة لحماية الاستقرار النقدي والمالي للبنان. إنّه وسيلة لحماية الدولة من العجز والاستدانة المفرطة كما أنّه وسيلة لمنع المصارف من الشروع في توظيفات عالية المخاطر. وأنّ الإصلاحات الحقيقيّة هي تلك التي تعيد الاعتبار للمؤسسات، لا تلك التي تُستخدم لإضعافها عن طريق تفريغ المؤسسات أو إعادة توزيع القرار بين هيئات مختلفة، فتضيع المسؤوليّة وتنتفي المحاسبة. وإنّني على ثقة بأنّ لبنان، بفضل مؤسساته القويّة، والدولة، وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهوريّة، والحكومة المسؤولة، قادر على تجاوزِ هذه المرحلة الصعبة وبناءِ مستقبلٍ أفضل”.
Post Views: 1