شجاعة الكلمة… وثمن الموقف

بقلم: نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانية – الخليجية
تروي حكاية رمزية قديمة أن ذئبًا تسلّل إلى القطيع، فكان الديك أول من رصد الخطر وأطلق صياحه محذّرًا. نبح الكلب، فانتبه الراعي، وتحرك الأهل، ففرّ الذئب ونجا القطيع.
انتهى الخطر وعاد الهدوء، لكن المفارقة أن الجميع تذكّر من حمى القطيع، ونسي من كان أول من أطلق جرس الإنذار. بل إن الأهل، في ذروة احتفالهم بالنجاة، ذبحوا الديك… فكان أول من حذّر من الخطر هو الضحية.
وهكذا هي الحياة أحيانًا.
هناك من يرى الخطأ قبل الآخرين، ويتجرأ على الكلام حين يفضّل الكثيرون الصمت. وهناك من يقول الحقيقة عندما تكون ثقيلة، ويحذّر من الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة، وينبّه إلى الخلل قبل أن يستفحل.
هؤلاء قد لا يحصدون التصفيق، بل ربما يكونون أول من يتعرض للوم والهجوم؛ لأن الحقيقة لا تزعج المخطئ وحده، بل تزعج أيضًا من اعتاد السكوت عنه، ومن وجد في الصمت راحة، وفي المجاملة مصلحة.
ومع ذلك، لا ينبغي للخوف من ردود أفعال الناس أن يجعلنا نتخلى عن مسؤوليتنا أو نتنازل عن قناعاتنا.
فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في عدد من يرضون عنه، وإنما في مقدار ما يتمسك به من مبدأ حين يصبح التمسك بالمبدأ مكلفًا. والشجاعة ليست أن تقول ما يحب الآخرون سماعه، بل أن تقول ما يجب أن يُقال، بحكمة واحترام، عندما يصبح الصمت مشاركة في الخطأ.
قد تخسر موقفًا لأنك قلت الحقيقة، وقد يبتعد عنك أشخاص لأنك رفضت المجاملة، وقد تُلام اليوم على تحذير لم يفهمه الآخرون، ثم تثبت الأيام أنك كنت ترى ما لم يكونوا يريدون رؤيته.
فلا تندم لأنك كنت صوتًا للحق، ولا تجعل جحود البعض يغيّر مبادئك. فالمواقف الصادقة قد تكون مكلفة في لحظتها، لكن الأيام كثيرًا ما تنصف أصحابها.
المجتمعات والمؤسسات والأوطان لا يحميها الصامتون عندما يقترب الخطر، بل يحميها أصحاب الضمير؛ أولئك الذين يملكون شجاعة التنبيه في الوقت المناسب، ثم يقفون إلى جانب الكلمة بالفعل والعمل وتحمل المسؤولية.
فالسكوت ليس دائمًا حكمة، والكلام ليس دائمًا تهورًا. الحكمة الحقيقية هي أن تعرف متى تتكلم، وكيف تتكلم، ولماذا تتكلم. وأن يكون هدفك الإصلاح لا الإساءة، والتنبيه لا التشهير، وحماية المصلحة العامة لا تحقيق مصلحة شخصية.
والدرس الأهم:
لا تكن الذئب الذي يستغل الغفلة، ولا تكن ممن يرون الخطر ويختارون الصمت خوفًا أو مصلحة. وإذا كنت أول من رأى الخطر، فلا تخشَ أن ترفع صوتك وتحذّر منه.
قد لا يشكرك الجميع، وقد يلومك البعض، وربما تدفع ثمن موقفك، لكن لا تجعل الخوف من الثمن يمنعك من أداء واجبك.
فالأوطان والمؤسسات والعائلات لا تحتاج فقط إلى من يحرسها بعد وقوع الخطر، بل تحتاج أيضًا إلى من يمتلك البصيرة ليراه قادمًا، والضمير ليحذّر منه، والشجاعة ليتحمل ثمن موقفه.
ولنتذكر دائمًا: ليس المهم من صفّق لك بعد زوال الخطر، بل كم إنسانًا نجا لأنك امتلكت الشجاعة لتتكلم قبل فوات الأوان.



