الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

شريان طرابلس المهجور: هل يعيد “نفط كركوك” لبنان إلى خارطة الطاقة الإقليميّة؟

في عالم تعيد رسمه الجغرافيا السياسيّة للطاقة وتبدلاتها المتسارعة، لم تعد الثروة النفطيّة وحدها معيارًا للقوة؛ بل تحوّلت ممرّات النقل ومنافذ التصدير ّالاستراتيجيّة إلى أوراق ضغط ومصدر نفوذ لا يقل أهميّة عن الإنتاج نفسه. وفي ظلّ الأزمات المتكرّرة التي تعصف بالمنطقة، تبرز حاجة الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء إلى تنويع مسارات الإمداد بعيدًا عن نقاط الاختناق البحريّة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي.

في ظل التهديدات الأمنيّة المتكرّرة التي تطال حركة الملاحة في مضيق هرمز، وما يرافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالميّة وارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين، تتزايد أهميّة البحث عن مسارات بديلة وأكثر استقرارًاً لتصدير النفط. ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار مجددًا إلى منافذ البحر الأبيض المتوسط، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا يعزّز أمن الإمدادات ويحدّ من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممرّات بحريّة حسّاسة.
وفي هذا الإطار، تعود بغداد إلى إحياء خياراتها التاريخيّة لتصدير النفط عبر المتوسط، وفي مقدمتها مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس. وقد اكتسب هذا التوجه زخمًا جديدًا بعد توقيع الحكومة السوريّة، في واشنطن، مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدوليّة لإعادة تأهيل وتشغيل الخط. ووفقًا لوزارة الطاقة السوريّة، تستهدف أعمال التأهيل رفع القدرة التشغيليّة للخطّ إلى نحو مليوني برميل من النفط الخام يوميًا، بما يعكس الأهميّة الاستراتيجيّة التي يكتسبها المشروع في إعادة رسم خريطة مسارات تصدير الطاقة في المنطقة.
غير أن هذا التحوّل الاستراتيجي العراقي يجب أن يشكّل قوّة دفع للدولة اللبنانيّة لالتقاط فرصة استراتيجيّة طال انتظارها: إعادة إحياء خط كركوك – طرابلس.

التاريخ يتحدث: عندما كانت طرابلس بوابة المتوسط

هذا الخطّ ليس مجرّد فكرة وليدة اليوم أو مشروعًا مستقبليًا غامضًا، بل هو شريان تاريخي وثّق العصر الذهبي لمنشآت النفط في شمال لبنان. أُنشئ خط “كركوك – طرابلس” في ثلاثينيات القرن الماضي عبر شركة النفط العراقيّة (IPC)، وكان يمتد من حقول شمال العراق لينتهي عند شواطئ عاصمة الشمال اللبناني.
وعلى مدى عقود، كانت منشآت طرابلس ومرافئها النفطيّة من أهمّ المراكز اللوجستيّة في شرق المتوسط، بقدرات تخزينيّة هائلة وطاقة تمرير وصلت إلى مئات آلاف البراميل يوميًا، قبل أن تؤدّي الحروب والأزمات السياسيّة والأمنيّة المتعاقبة إلى إغلاقه بالكامل، ليفقد لبنان بذاك دورًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا ثقيلًا.

العوائد الجمركيّة والتنمويّة: ماذا يربح لبنان؟

إنّ إعادة نبض الحياة إلى هذا الخط في الوقت الراهن لا تعني مجرّد عبور أنبوب للنفط في الأراضي اللبنانيّة، بل تمثل حبل إنقاذ لاقتصاد وطني يبحث عن الركائز الحقيقيّة للنمو. وتتلخّص المكاسب المتوقعة في عدّة نقاط أساسيّة:
تدفقات ماليّة مباشرة: تحصيل رسوم عبور (Transit Fees) ثابتة بالعملة الأجنبيّة عن كلّ برميل يمر عبر الأراضي اللبنانيّة.
إحياء منشآت طرابلس: إعادة تشغيل الخزانات وتطويرها لتصبح مركزًا إقليميًا للتخزين، والصيانة، والخدمات البحريّة.
خلق فرص عمل نوعيّة: توظيف المئات من المهندسين، الفنيين، والعمال، وتنشيط قطاعات النقل والخدمات اللوجستيّة.
تعزيز دور مرفأ طرابلس: تحويل المدينة مجددًا إلى منصّة تجاريّة ونفطيّة رئيسيّة على شاطئ المتوسط، ما ينعكس تنمية شاملة على الشمال اللبناني الذي عانى من التهميش لعقود.

مصلحة مشتركة وأمن طاقة إقليمي

المعادلة هنا تعتمد على المصالح المتبادلة؛ فالعراق بدوره يبحث بجديّة عن مرونة أكبر وتعدديّة في منافذ التصدير لتجنب حصر نفطه في مسار واحد قد يغلق نتيجة أي طارئ أمني. وجود خطّ يربطه بلبنان وسوريا يمنح بغداد وصولًا مباشرًا وقريبًا إلى الأسواق الأوروبيّة، ويعزّز أمن الطاقة الإقليمي.
لذلك، فإنّ المطلوب اليوم من مراكز القرار في بيروت ليس الجلوس في مقاعد المتفرجين بانتظار تسويات المنطقة، بل المبادرة الفوريّة وفتح قنوات حوار دبلوماسي وفني جاد مع الجانب العراقي والدول المعنيّة. المنافسة بين خطوط التصدير ليست عائقًا، بل إنّ تكاملها هو ما يخدم مصالح الجميع.

إنّ لبنان أمام فرصة تتخطى الحسابات والمناكفات السياسيّة الضيقة؛ فإعادة إحياء خط “كركوك – طرابلس” هو مشروع اقتصادي وطني بامتياز. في عالم تصاغ فيه التحالفات بناءً على ممرّات الطاقة اللوجستيّة، لا يملك لبنان ترف إهمال موقعه الجغرافي وبنيته التحتيّة المنسيّة. ولم يعد السؤال اليوم: هل يمكن تشغيل الخط؟ بل أصبح: هل يتحمل لبنان كلفة تفويت هذه الفرصة التاريخيّة مجددًا؟

المحامية كريستينا ع. أبي حيدر
خبيرة قانونيّة متخصّصة في شؤون الطاقة 

زر الذهاب إلى الأعلى