الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

لبنان في “غرفة العناية المشددة”

مواطنون يعيشون على "بنج" الوعود ودولة تغلق أجهزة الإنعاش

​لم يعد اللبنانيون يبحثون عن “رفاهية العيش”، بل تحول طموحهم الأقصى إلى “البقاء على قيد الحياة”. في بلدٍ كان يُوصف يوماً بسويسرا الشرق، تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة استنزاف طاحنة، وأصبح المواطن يعيش في ما يشبه “غرفة العناية المشددة”، مخدَّراً بوعودٍ واهية، بينما تُسحب من تحت جسده مقومات البقاء واحداً تلو الآخر.

​الرواتب.. أرقام هزيلة في زمن الغلاء الفاحش
​الشرخ الأكبر اليوم يكمن في تلك الهوة السحيقة بين المداخيل والأسعار. الرواتب، وخصوصاً في القطاع العام وتحت وطأة تآكل قيمة العملة المحلية، تحولت إلى مجرد أرقام رمزية لا تكفي لقمة العيش لأيام معدودة. يبدأ الشهر وينتهي في يومه الأول، ليجد الموظف نفسه مكشوفاً أمام غول الغلاء الذي التهم كل شيء.
​أصبحنا نعيش في مفارقة مرعبة: مدير، معلم، أو عسكري يقبض راتباً بالليرة (أو حتى ما يوازي فتات الدولارات) بينما كل ما يحيط به مُسعَّر بدولار “فريش” لا يرحم.
​فاتورة البقاء: الغلاء يطحن كل شيء

​في لبنان اليوم، حتى الحاجات الأساسية باتت تُصنف في خانة “الكماليات”:
​الإنترنت والاتصالات: العصب النابض للعمل والتعليم وللتواصل مع المغتربين (الذين باتوا سند العائلات الوحيد)، تحول إلى عبء شهري ثقيل. أسعار الاتصالات والإنترنت تحلق عالياً، ليعزل الدولة شعبها عن العالم تدريجياً.
​المحروقات والبنزين: تحرك السيارات لم يعد مشواراً، بل ميزانية قائمة بحد ذاتها. صفيحة البنزين تلتهم النسبة الأكبر من أي دخل، مما شلّ الحركة وحوّل التنقل إلى همٍّ يومي يقضّ مضاجع العمال والطلاب.
​المعيشة والدواء: السوبرماركت تحول إلى “متحف” يُنظر إلى معروضاته بكثير من الحسرة وقليل من القدرة. أما الدواء والاستشفاء، فقد باتا حكراً على من يملك المال، في واحدة من أكبر الجرائم الإنسانية بحق شعبٍ يُترك ليموت ببطء.

​”المواطن تحت البنج”.. سياسة التخدير الرسمي
​أبشع ما في المشهد ليس الانهيار الاقتصادي بحد ذاته، بل سلوك المنظومة الحاكمة. تتعامل الدولة مع المواطن وكأنه مريض في غيبوبة مقصودة. يُعطى “بنج” التعاميم المصرفية المؤقتة، وحقن التهدئة السياسية، ووعود المساعدات الدولية التي لا تصل.
​إنهم يخدّرون الألم بدل علاج المرض. يبقون المواطن على قيد الحياة بالحد الأدنى فقط، ليس حباً به، بل لضمان عدم انفجاره في وجههم. إنها سياسة “العناية المشددة” حيث الدولة هي الطبيب الذي يملك أجهزة الإنعاش، ويتحكم بجرعات الأكسجين ليمنع المريض من الموت تماماً.. ومن الثورة تماماً.

​إلى متى الصمود؟
​اللبناني الذي اشتُهر تاريخياً بـ”قدرته على التكيف”، استُنزفت طاقته. التكيف لم يعد فضيلة، بل بات تواطؤاً قسرياً مع الجلاد. لم يعد مقبولاً أن تدير الدولة ظهرها للمواطن وتكتفي بدور المتفرج أو الجابي الذي يفرض الضرائب بالدولار ويقدم الخدمات بالعدم.

​إن استمرار العيش على “البنج” يعني الموت السريري للمجتمع بأكمله. لقد حان الوقت ليستفيق هذا الشعب من غيبوبته المفروضة عليه، فالأوطان لا تبنى بالمخدرات الموضعية، والكرامة الإنسانية لا تُقاس بالقدرة على تحمل الجوع، بل بالقدرة على رفضه. ما يحتاجه اللبناني اليوم ليس جرعة مخدر جديدة، بل صدمة إنعاش حقيقية تستعيد له دولته، وراتبه، وقدرته على العيش بكرامة تحت شمس هذا الوطن

بقلم
المخرج إيلي طراد

زر الذهاب إلى الأعلى