بقلم الشاعر والمربيّ قزحيا ساسين
ما جرى في أميركا تحت عنوان “سوريا الصّغيرة” مشروع سياسيّ لا يمتّ إلى الأدب والإبداع بِصِلة. وهو مُحاوَلة اغتيال فاشِلةٌ جِدّا، لِلُبنان الذي يعزّ علينا، مثلما تعزّ أوطان الأرض على أهلِها.
بِمنتهَى البساطة: جبران خليل جبران، وأمين الرّيحاني، وميخائيل نعَيمِه… لبنانيّون أبًا عن جَدّ، وليسوا سوريّين، ولا داعي لِتقديم أوراق ثبوتيّة وتوكيل مُحامين في محكمة “لاهاي” بِهَدف إثبات انتمائهم إلى وطن هم كتبوا عنه حتّى آخِر قطرة في مَحابرِهم.
إنّما المطلوب رفعُ الصّوت اللبنانيّ صَوب مَن يَحلّ ويَربط في أميركا، لِيُصارَ إلى الإعتذارِ عن مُحاولةِ الإغتيال الكبيرة، وإعادةِ تذكرةِ الهويّة اللبنانيّة إلى أدبائنا الكِبار، بعدما صادرَتها السُّلطاتُ الأميركيّة، لِغاية في نَفْسِ يَعقوبَ الأميركيّ.
في الشّكل: أميركا تُحَيّينا، بحديقة يُزَيّنُها عِطرُ ورود الإبداع اللبنانيّ، غير أنّها أطلَقَت أوّل رصاصة في اتّجاهِ صدرِ لُبنانِنا الأديبِ. وإذا كان نشاطُها، المؤذي هذا، خطوةً في طريقِها إلى شرق أوسَط جديد، بالمعنى السياسيّ وما يترتَّبُ عليه، فإنّنا، وبِصَرف النّظر عن السّياسة ووَساختِها، نريدُ أن نبقى لبنانيّين إلى الأبَد. وعلَيهِ، نحن في خطّ الدّفاع الأوّل عن انتمائنا أحياءً وأمواتًا.
بين سوريا الصغيرة وإسرائيل الكبيرة، في المُخَطّط الأميركيّ الإسرائيليّ… لن نرُوح فَرْقَ عُمْلَةٍ. وإذا كان أهلُ جبران لا يزالون على قَيدِ الحياةِ، وهو الكاتِبُ حرقةً عليهم، “ماتَ أهلي”، فيجِبُ أن تعلُو الصّرخةُ من بشَرّي وجُبّتِها أوّلًا، ثقافيّا، وسياسيّا، ودينيّا، وصولًا إلى لبنان كلِّه. ولا بدّ من التّحيّة نوجّهها إلى كبير وطنيّي لبنان ومثقّفيه الصّديق الدّكتور عصام خليفه، الذي رفَعَ الصّوت مُدَوِّيًا في هذه المسألة، وإلى لجنة جبران خليل جبران الوطنيّة التي تحرَّكت دِفاعًا عمّن هي وَصِيّة على إرثِهِ الخالد…
غَير أنّ ما عَلا مِن صوت لبنانيّ لا يَكفي لاسترداد هويّة مُبدِعينا اللبنانيّين من أيدي قراصنة العصر الحديث. ولا بدّ من موقف واضح لِلسُّلطة اللبنانيّة على مُختلف مُستوياتها، لأنّ القضيّة تتخطّى الخطأ سَهوًا بكثير، وحين يَخسَرُ كِبارُنا تذاكر الهويّة اللبنانيّة، لا شيءَ يَمنَعُ من أن نخسَرَها نحن أيضًا.
في الواقع، جبران ونعيمِه والرّيحاني… مُلتزِمون بِوَقْف إطلاق النّار من زمَنٍ يَعودُ إلى قَبْلَ ولادِتهم، فهَل نستطيعُ إيقافَ نارِ التّكريمِ الأميركيّة التي تَستهدِفُهم في عمليّة اغتيالِ أتت بَعد رَحيلهم؟