الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

اتصالات سريّة تمهّد للقاء قاسم والشرع

عندما يعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم استعداد الحزب للقاء علني مع النظام السوري، فهذا يعني أنّ الاتصالات خلف الكواليس بلغت مرحلة متقدّمة، وبات يمكن الحديث عن علاقة بدأت تشق طريقها نحو ترتيبات تؤسّس لمرحلة جديدة. ووفق مصادر في حزب الله، فلا يمكن أن يصدر كلام كهذا من دون مقدّمات تتعلّق بقنوات اتصال تنشط بين الطرفين، يعمل عليها أكثر من طرف.

بدأت العلاقة بالتطمينات التي نقلتها تركيا قبل الحرب الإسرائيليّة على لبنان. يوم قصدها وفد من حزب الله ّللمشاركة في مؤتمر عن القدس، وتلقى تطمينات بأن سوريا بقيادة أحمد الشرع فتحت صفحة جديدة مع الحزب، وتخطت رواسب المرحلة الماضية. فتحت هذه المواقف المسار أمام الاتصالات لمنع الانزلاق إلى أي حادث قد يؤدي إلى صدام بين الطرفين، سواء على الحدود أو داخل سوريا.

بعد ذلك، جاء كلام الشرع عن طي صفحة الماضي، وأن لا عودة إلى الوراء، وهو موقف رسمي تلقفه حزب الله بإيجابيّة. وتلاه موقف وزير الخارجيّة السوري أسعد الشيباني خلال زيارته للبنان، حين أشار إلى أنّه لا مانع من التواصل مع حزب الله، وصولًا إلى الاجتماعات الأمنيّة التي جمعت ضباطًا سوريين مع شخصيّات ّأمنيّة من حزب الله، فضلًا عن تبادل الرسائل على خط دمشق – حارة حريك.

وكانت آخر الرسائل تلك التي حملها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، الذي التقى الشرع، ثم عاد إلى لبنان وقام بزيارة معلنة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي في عين التينة، علمًا أنّ لقاءاتهما تُعقد عادة بصورة أسبوعية بعيدًا عن الأضواء. وبعدها وصل وزير الخارجيّة السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، وزار عين التينة، خلافًا لزيارته الأولى إلى بيروت، وبدأ حديث الرجلين من حيث كان قد توقف مع ميقاتي.

وإلى دور تركيا، لعبت دولة عربية دورًا بارزًا، ورتبت لقاءً مباشرًا بين حزب الله ومقرّبين من الشرع، عرض خلاله كلّ طرف رؤيته للعلاقة المستقبليّة، واللافت أنّ المصادر المطلعة على سير العلاقة لا تتحدث عن لقاء واحد، بل عن لقاءات عدّة نُظّمت بين ممثلين عن الطرفين بوجود وسطاء، وقد جرى بعضها في بيروت.

تحدّث حزب الله عن وجود قواسم مشتركة تجمع بين لبنان وسوريا، من أبرزها المعاناة من الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة على الأراضي. يقدّر الحزب رفض سوريا توقيع اتفاق مع إسرائيل، رغم الضغوط التي تعرضت لها، ويرى أنّ لبنان وسوريا في موقع يسمح لهما بالاستفادة من بعضهما البعض في مواجهة الضغوط الإسرائيليّة، فضلًا عن التداخل الجغرافي بينهما، حيث تمثل سوريا المتنفّس الطبيعي للبنان، والعكس صحيح.

اللافت أنّ الطرفين لا يحاولان إعادة إنتاج العلاقة التي كانت قائمة قبل سقوط نظام بشار الأسد. فحزب الله لم يعدّ يطلب من دمشق العودة إلى موقعها السابق داخل محور الممانعة، وسوريا الجديدة لا تريد أن تكون امتدادًا للمشروع الإيراني. ما يجري البحث فيه هو علاقة بين دولتين وقوّتين تتقاطع مصالحهما الأمنيّة والجغرافيّة في منع الفوضى، وضبط الحدود، واحتواء التهديد الإسرائيلي، من دون العودة إلى تحالفات الماضي أو شروطها.

غير أنّ استعداد حزب الله لا يعني أنّ الطريق إلى علاقة علنيّة أصبح سالكًا بالشكل الذي يرجوه الحزب. فمثل هذا اللقاء يحتاج إلى مقدّمات و تحيطه محاذير من الجانب السوري.

فالحزب لن يزور سوريا قبل شريكه في الثنائيّة الشيعيّة؛ أي حركة أمل. وإذا كان الحزب قد اتخذ قرار الانفتاح على سوريا، فهذا يعكس وجود مصلحة يراها في ذلك، رغم الانتقادات التي تعرض لها من جزء من بيئته الحاضنة ومناصريه بعد حرب خاضها في سوريا نصرة للنظام السابق سقط بسببها آلاف من الشباب. إلّا أنّ الحزب بات يتعامل مع الواقع، ويرى أنّ انفتاحه على سوريا ينسجم مع المستجدات في المنطقة، مطّمئنًا إلى وجود تركيا لاعبًا أساسيًا في سوريا.

أمّا سوريا، فلها حساباتها المختلفة وتعقيداتها الداخليّة. فهي تخوض مواجهات مع جماعات مسلحة على أراضيها، وتواجه خطر تنظيم داعش، إضافة إلى الملفات الشائكة في السويداء والساحل السوري. وهي ملفات حسّاسة تحتلّ أولويّة في حسابات دمشق لما لها من انعكاسات أمنيّة وسياسيّة. وتجعل هذه التعقيدات الرئيس أحمد الشرع متحفظًا في مقاربة العلاقة مع حزب الله، رغم قناعته بأنّ أيّ مشروع صدام مع لبنان لا يخدم إلّا إسرائيل، التي تسعى إلى الاستفادة من أي مواجهة بين البلدين.

وعلى المستوى الإقليمي، فإنّ تركيا، بوصفها اللاعب الأكثر تأثيرًا في سوريا، لا ترغب في تعزيز الدور الإيراني ووجوده في المنطقة، لكنّها في الوقت نفسه لا تريد إضعافه إلى الحدّ الذي يتيح لإسرائيل الانفراد بالساحة الإقليميّة، بل تسعى إلى إبقائه ضمن توازن معين. وفي هذا الإطار، رتبت أنقرة، ولا تزال، أسس العلاقة بين حزب الله والشرع، وهي تدرك وجود ملفّات تحتاج إلى معالجة بينهما، في مقدّمها ملفّ النازحين الشيعة في البقاع، وملفّ المقامات الدينيّة، وأوضاع العلويين في الساحل السوري.

ويبدو أنّ الشرع بات اليوم أكثر تمرسًا في إدارة الدولة السوريّة، لكنّه لا يزال يتعامل بحذر مع مسألة العلاقة مع حزب الله، لأنّ قرارًا من هذا النوع تحيط به تعقيدات ومحاذير إقليميّة ودوليّة، فضلًا عن انعكاساته على العلاقة بين سوريا ولبنان، وعلى العلاقة مع الطائفة الشيعيّة على وجه الخصوص. لكن الأسس قد وضعت والماضي صار ماضيًا، وانتهى وهذا عامل مهم.

لذلك، لن يكون اللقاء، إذا حصل، مجرد صورة تجمع الشيخ نعيم قاسم بالرئيس أحمد الشرع، بل إعلانًا عن سقوط مرحلة كاملة من القطيعة، وعن ولادة معادلة جديدة في المشرق. معادلة لا تعني عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا كما كان، ولا عودة سوريا إلى محور الممانعة بصيغته السابقة، لكنّها تعني أنّ دمشق ترفض أن تكون جزءًا من مشروع إسرائيلي يقوم على عزل حزب الله ومحاصرته من الخاصرة السوريّة. وفي هذا المعنى، سيكون التقارب جوابًا سياسيًا على الدعوات الأميركيّة المتكرّرة للرئيس أحمد الشرع للتموضع في مواجهة الحزب، كما سيكون ضربة لرهان إسرائيل على تحويل لبنان وسوريا إلى ساحتين متقابلتين بدلًّا من أن تبقيا دولتين تحكمانهما المصالح المشتركة.

غادة حلاوي – “المدن”

زر الذهاب إلى الأعلى