الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

شريط الاحتجاجات في إيران: أبعاد سياسية تتخطى الاوضاع الاقتصادية

بقلم : إيلي إ. حرب
تصاعدت موجة الاحتجاجات في ايران على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة، وسرعان ما تمددت جغرافيًا لتشمل مدنًا ومحافظات عدة، في مشهد يعكس عمق الضغوط الاجتماعية واتساع دائرة الغضب الشعبي. ومع تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار، خرجت الاحتجاجات من إطارها المحلي لتتحول إلى حراك واسع ذي أبعاد سياسية واقتصادية متداخلة.

في العاصمة طهران، اندلعت الشرارة الاولى للاحتجاجات مع إغلاق محال في البازار الكبير قبل أن تمتد التجمعات إلى أحياء ومناطق أخرى. وتُعد طهران مؤشرًا حساسًا لأي حراك داخلي، إذ غالبًا ما تعكس تحركاتها اتجاهات أوسع في البلاد، خصوصًا عندما يشارك فيها التجار وشرائح من الطبقة الوسطى.
في غرب البلاد، برزت مدينة كوهدشت في محافظة لورستان إحدى أكثر النقاط سخونة. الاحتجاجات هناك اتسمت بمواجهات مباشرة مع قوات الأمن، ما جعل المحافظة في صدارة المشهد، خصوصا مع انتقال الشعارات من مطالب معيشية إلى انتقادات أوسع للسياسات الحكومية.
جنوب غربي إيران شهد بدوره احتجاجات لافتة، لا سيما في مدينة لردغان وشهرکرد مركز محافظة تشهارمحال وبختياري. وتميّزت التحركات هناك باستهداف مبانٍ رسمية للتعبير عن غضب من التهميش الاقتصادي ونقص الخدمات، وهو ما يعكس تراكم أزمات محلية قديمة تفجّرت مع الأزمة الاقتصادية العامة.

في محافظة خوزستان، وتحديدًا في مدن مثل باغ ملك ومناطق أخرى، شهدت الشوارع تحركات احتجاجية متفرقة. وتكتسب خوزستان أهمية باعتبارها منطقة غنية بالموارد النفطية، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المحافظة.
في وسط البلاد، انضمت أصفهان إلى خريطة الاحتجاجات، في مؤشر على انتقال الغضب إلى المدن الصناعية الكبرى. وتاريخيًا، غالبًا ما تعكس تحركات أصفهان توترًا اقتصاديًا مرتبطًا بالإنتاج وفرص العمل، ما يمنح الاحتجاجات فيها بعدًا بنيويًا يتجاوز اللحظة الراهنة.

في جنوب إيران، شهدت محافظة فارس، ولا سيما مدينة فسا ومناطق قريبة، تجمعات احتجاجية على خلفية غلاء المعيشة وتراجع الدخل. ويعكس هذا الامتداد الجغرافي قدرة الاحتجاجات على الوصول إلى محافظات بعيدة عن المركز السياسي.
كما سُجّلت احتجاجات في كرمانشاه وعدد من المدن الغربية، حيث ترافقت المطالب الاقتصادية مع شكاوى اجتماعية مزمنة تتعلق بالبطالة وضعف التنمية.

والى الشارع، تحركت جامعات في طهران ومدن أخرى ما أضفى على المشهد بعدًا شبابيًا وأكاديميًا. وغالبًا ما تُعد الجامعات في إيران مختبرًا مبكرًا لتحولات المزاج العام، خصوصًا عندما تتقاطع المطالب الاقتصادية مع قضايا الحريات.
يُظهر انتشار الاحتجاجات من طهران إلى لورستان وخوزستان وأصفهان وفارس وتشهارمحال وبختياري

أن الأزمة لم تعد محصورة جغرافيًا أو اجتماعيًا. فالاحتجاجات، وإن انطلقت بدوافع اقتصادية، باتت تعكس أزمة ثقة أوسع في السياسات العامة. كما أن اتساع رقعتها الجغرافية يزيد من صعوبة احتوائها سريعًا، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاحتواء المرحلي والتصعيد التدريجي. كما تظهر خريطة الاحتجاجات بلدًا يعيش ضغطًا متراكمًا، حيث تلتقي الأزمات الاقتصادية مع التفاوت المناطقي، ما يجعل من الاحتجاجات ظاهرة وطنية لا محلية.

ويبقى السؤال المفتوح: هل ستنجح المعالجات الاقتصادية المحدودة في تهدئة الشارع، أم أن اتساع رقعة المدن المحتجة ينذر بمرحلة أكثر تعقيدًا في المشهد الإيراني؟

زر الذهاب إلى الأعلى