إجتماعالصفحة الرئيسيةخبر عاجلمتفرّقات

الراعي من عبرين: الوطن الذي آمن به الحويّك يحتاج اليوم إلى دولة قويّة وجيش قوي

تتواصل الاحتفالات بإعلان البطريرك الياس الحويك طوباويًا، وترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الشكر في دير العائلة المقدّسة في عبرين حيث ضريح الحويّك، وعاونه بالقداس راعي أبرشيّة البترون المارونيّة المطران منير خيرالله والنائب البطريركي العام المطران يوحنا علوان، الرئيس العام لجمعيّة المرسلين اللبنانيين الموارنة الاب العام الياس سليمان ومرشد راهبات العائلة المقدّسة الأب مالك بو طانوس، بمشاركة بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك الكاثوليكوس روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، المطارنة: إدغار ماضي، يوسف سويف، مارون عمّار، جوزاف نفّاع،  سمير نصار ولفيف من رؤساء الاديار الرهبانيّة والكهنة والرهبان.

وحضر القداس رئيس حزب الكتائب اللبنانيّة النائب سامي الجميل، رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، النائبان سليم الصايغ وأديب عبد المسيح، النائب غياث يزبك ممثلًا بجورج عطيّة، قائمقام البترون روجيه طوبيا، الرئيسة العامة لجمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات الام ماري أنطوانيت سعاده والمشيرات العامّات، رئيس اتّحاد بلديّات منطقة البترون روجيه يزبك، رئيس بلديّة عبرين الزميل ألان ضرغام، مسؤول “حزب الله” في الشمال الشيخ رضا أحمد، رئيسات أديار راهبات العائلة المقدّسة في لبنان وبلاد الانتشار، رئيسات أديار رهبانيّات لبنانيّة وراهبات، أنسباء البطريرك الحويك، وأهالي بلدة حلتا مسقط رأس الطوباوي الجديد، رؤساء ورئيسات جمعيّات ومؤسّسات، فاعليّات اجتماعيّة، بلديّة، أكاديميّة، ثقافيّة، اقتصاديّة وتربويّة وحشد كبير من أهالي منطقة البترون ومختلف المناطق اللبنانيّة.

قبل بدء القداس ازيحت الستارة عن تمثال للبطريرك الحويّك من عمل النحات نايف علوان ثم رحّب المسؤول الليتورجي الخوري إيلي سعاده بالحضور في دير العائلة المقدّسة، دير الرهبنة التي أسّسها البطريرك الحويّك، رهبنة الراهبات اللواتي كرسن حياتهن للربّ، وفي أرض البترون، أرض القدّيسة رفقا والقدّيس نعمة لله، الطوباوي إسطفان واليوم الطوباوي الياس الحويك.

سعاده

وفي بداية القدّاس، شكرت الامّ سعاده “لله نعمه وعطاياه، ولا سيما نعمة إعلان مؤسسها البطريرك إلياس الحويك طوباويًا”، معتبرة أنّ هذا الحدث شكّل محطّة روحيّة وتاريخيّة مميزة في حياة الكنيسة المارونيّة.

وثمنّت أجواء احتفال التطويب في الديمان، وما رافقه من جمال الليتورجيا المقدّسة، والتناغم في التنظيم، وتكامل الجهود بين المتخصّصين والتقنيين والمتطوعين من مختلف الجماعات الكنسيّة، ما أظهر الكنيسة المارونيّة في أبهى صورها ملتفّة حول بطريركها، وبحضور ممثل قداسة البابا الكاردينال، في عرس إيماني جسّد وحدة الكنيسة.

كما توقّفت عند محبّة المؤمنين للطوباوي الجديد البطريرك الياس الحويّك، ولهفتهم إلى استقبال ذخائره، مستقبِلين إياه بطريركًا وراعيًا وأبًا محبًّا، في مشهد عكس مكانته في قلوب أبناء الكنيسة.

وختمت مؤكّدة أنّ “اللقاء في الدير الأمّ للجمعيّة هو مناسبة لشكر الله على كلّ ما عاشه المشاركون واختبروه خلال أيام التطويب”، معتبرة أنّ الاحتفال بالإفخارستيا ورفع كأس الخلاص يبقيان أسمى تعبير عن الشكر والامتنان لله، لأنّ منه وبه وله كلّ شيء” .

العظة

وبعد تلاوة الانجيل المقدّس، القى البطريرك الراعي عظة  بعنوان “أنتم ملح الأرض…أنتم نور العالم” ( متّى 5: 13 – 14) جاء فيها:

“بهاتين الكلمتين يحدّد الرب يسوع هوية ورسالة كل مؤمن ومؤمنة، وهما أن يكون الإنسان المؤمن ملحًّا يعطي نكهة ويحفظ من الفساد، ونورًا لا يعيش لنفسه بل يضيء الطريق للآخرين.

بهذه الهويّة والرسالة تميّزت كلّ حياة الطوباوي الجديد مار الياس بطرس الحويّك، الذي نلتقي قرب ضريحه في دير العائلة المقدّسة ببلدة عبرين العزيزة، لنحتفل معًا بقداس الشكر لله على النعمة التي قدّست هذا الطوباوي في كلّ محطات حياته: طالبًا إكليريكيًا في لبنان وروما، وكاهنًا غيورًا، وأسقفًا متّقدًا، وبطريركًا كبيرًا، وشعار حياته: “إلهي رضاك”، ومتّكل أعماله كلّها “العناية الإلهيّة”، وطمأنينته الثابتة “الله يدبّر”. الشكر للنعمة الإلهيّة التي رفعته فوق المذابح مثالًا لكلّ مؤمن ومؤمنة.

وإننا نهنّئ جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، بنات الطوباوي، ونهنّئ بلدة حلتا البترونيّة، مسقط رأسه، ونهنّئ الكنيسة المارونيّة في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار، بل جميع الكنائس واللبنانيين” .

اضاف: «أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم» (متى 5: 13 – 14). ليست هذه الكلمة في ضمير الكنيسة وحدها، بل في ضمير الوطن أيضًا. فما أحوج لبنان اليوم إلى أن يستعيد ملحه ونوره: ملح القيم التي تحفظ الدولة من الفساد والتفكّك، ونور الحقيقة الذي يبدد الالتباس ويعيد وضوح الطريق.

في حضرة البطريرك الحويّك، لا نستطيع أن نفصل القداسة عن لبنان. فهذا الرجل اتكل على العناية الإلهيّة، لكنّه لم ينتظر العناية مكتوف اليدين؛ بل صلّى وعمل، آمن وتحرّك، وثق بالله وتحمّل مسؤوليته. ومن هذا الإيمان خرجت أعمال وإنجازات، ومن هذه الرؤية خرج وطن اسمه لبنان.

هنا تكمن رسالة المسؤول الوطني: أن يكون ملحًا يحفظ المؤسسة التي اؤتمن عليها من الفساد، وأن يصون المال العام، ويحترم القانون، ويضع كرامة المواطن فوق المصالح. وأن يكون نورًا يقول الحقيقة، ويتحمّل مسؤوليّة القرار، ويمارس السلطة كخدمة لا كامتياز.

نحتاج هذا الملح في الإدارة والقضاء والمؤسسات، وفي التربية والاقتصاد والمجتمع. ونحتاج هذا النور في القرار الوطني، وفي ممارسة المسؤوليّة، وفي كلّ موقع يُصنع فيه مستقبل اللبنانيين. فالدولة تستعيد هيبتها بمؤسسات تعمل، والعدالة بقضاء يقوم بواجبه، والثقة بأفعال تسبق الوعود”.

وتابع: “لقد قيل الكثير عن سيرة الطوباوي الجديد، لكنّنا نودّ اختصارها بهذه الأوصاف: كان رجل الله إذ جعل المشيئة الإلهيّة فوق مشيئته. وكان رجل العناية إذ وثق بالله في أصعب الظروف من دون أن يتخلّى عن مسؤوليّته. وكان رجل الرؤية إذ رأى في التربية بناءً للإنسان، وفي الخدمة بناءً للمجتمع. وكان رجل الوطن إذ فهم أنّ محبّة لبنان لا تكون بالشعارات، بل بالتضحية والعمل والدفاع عن كرامة شعبه. لكنّنا نتوقف عند إنجازين كبيرين: تأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، وعرّاب لبنان الكبير الذي انتزعه من مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919”.

واردف الراعي: “بتأسيسه جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، أرادها الطوباوي البطريرك الياس بطرس الحويّك “ملحًا للأرض ونورًا للعالم” (متى 5: 13 – 14)، بغاياتها الثلاث: الروحيّة والاجتماعيّة والوطنيّة. فمراسلاته المتواصلة والقوانين التي وضعها مع الراهبات المؤسِّسات تكشف لنا هويّة الجمعيّة وروحانيّتها وموهبتها الخاصة. فمنذ بداية حياته الكهنوتيّة راودته فكرة تأسيس جمعيّة رهبانيّة نسائيّة مارونيّة مخصَّصة لمدارس القرى المتواضعة وتربية الفتيات، كأساس للعائلة، لاقتناعه العميق بأهميّة العائلة في بناء المجتمع والوطن، وبأهمية تحصين كليهما بمؤسسات تلتزم بزرع القيم العائليّة الصحيحة بين المواطنين.

لقد أرادها المؤسّس على اسم العائلة المقدّسة، مؤمنًا بأنّ قداسة هذا الاسم تدفع بالراهبات إلى التمثّل بالعائلة المقدّسة في الناصرة، وعيش فضائلها ونشرها بين العائلات. تلك كانت موهبة الجمعيّة ذات أسبقيّة الشأن الروحي والقداسة بالتحديد، لا سيما وأنّها تتعهد تربية الأحداث من البنات اللواتي هنّ طبعًا تحت حماية تلك العائلة المقدّسة، مثال كل عائلة مسيحية.

وعلى الرغم من كون الطوباوي الحويّك المؤسّس الفعلي، بمساعدة الأم روزالي نصر سنة 1895، فإنه لا ينفك يعتبر أن الله هو المؤسس الحقيقي للجمعية، ويحدّد دور الله في هذا التأسيس، واستمرار الجمعية، وإشراقها. وكان يقول: “إن الله سبحانه وتعالى قد أنشأ هذه الجمعية العزيزة بعنايته ورحمته”.

وبالنسبة إلى استشهاد الأم روزالي في بدايات مسيرة الجمعية، فقد اعتبره “تأييدًا إلهيًّا، يستمطر على الراهبات وعلى الجمعية وافر البركات السماوية، وأن دم هذه الشهيدة، نظير دم الشهداء، بذارُ خصبٍ لنمو الجمعية”.

وقال: “بالنسبة إلى لبنان الكبير، فمن بعد أن ناضل الطوباوي مار الياس بطرس الحويّك، وانتزعكيان لبنان الكبير، دولة مستقلة ذات حدود طبيعية، وعمل داخليًا على صمود هذا الكيان، بنضال من أول أيلول 1920 حتى وفاته في 24 كانون الأول 1931، وجّه منشورًا سنة 1930 بعنوان “محبة الوطن”. وقد استهله بأن للإنسان وطنين: وطن الأرض ووطن السماء. فالله يريدنا أن نحب وطننا الأرضي، منتظرين الوصول بعد هذه الحياة إلى الوطن السماوي السعيد والثابت.

يتوقف البطريرك عند دواعي محبة الوطن فيقول:

محبة الوطن طبيعية، من تعرّى منها أصبح مسخًا ممقوتًا من الجميع، لأنه في محبته لوطنه محبته لذاته.

محبة الوطن لأنه يقدّم لنا كل ما يلزم للحياة بنظامه الطبيعي.

محبة الوطن لأن بمناخه تأثيرًا على العقل والنبوغ.

محبة الوطن لأن اللغة التي تلفّظنا بها على صدور أمهاتنا، بها عرفنا الله ورفعنا أناشيد المحبة إلى السماء.

محبة الوطن لأنه يقدّم لنا أمثلة أجدادنا، وهي خير مساعد لنا على الرقي والصلاح.

محبة الوطن لأن هيئته الحاكمة تحميه بقواها المسلّحة، وتنظّمه بشرائعها، وتنمّي فيه الحياة الاقتصادية بسعيها ومساعداتها.

محبة الوطن لأنه يذكرنا بعلمائنا، وبطاركتنا، وأبطالنا، وكل من أحب هذا الوطن من قبلنا.

محبة الوطن لأن أرضه قسمها الله له، فهو يحبها لأنها عطية الله، وإن تركها فقد ترك الله.

محبة الوطن بالنسبة إلى المسيحي عزيزة عليه، لأنه بمائه تعمّد، ومن خبزه وخمره تناول جسد الرب، وبميرونه تثبّت، وبحجارته بنى كنائسه، وفي مدافنه دفن رفات أجداده.

محبة الوطن لأن تاريخه يظهر لنا عناية الله به مدى الأجيال”.

اضاف: “وكرجل كنيسة مؤتمن على إيقاظ الضمير، والزود عن الشريعة الأدبية التي تميّز بين الخير والشر، وجّه لرجال السلطة هذا التأنيب:

“أنتم أيها المسلَّطون، أنتم يا أولياء الأمور، أنتم يا قضاة الأرض، أنتم يا نواب الشعب الذين تعيشون على حساب الشعب، الذي يقدّم لكم النفقات والمرتّبات، ويمتّع أشخاصكم المكرّمة بامتيازات خاصة بكم وألقاب شرف. أنتم ملتزمون بصفتكم الرسمية، ومن قبل مهمتكم، أن تسعوا وراء المصلحة العامة. وقتكم ليس لكم، وشغلكم ليس لكم، بل للدولة وللوطن الذي تمثّلونه. وأُقمتم لإسعاد الوطن، فلا يمكنكم أن تضحّوا بمصالحه دون أن تهينوا الحق، وتخرقوا بنوع فادح ما يقضي به عليكم واجب الأمانة” (منشور محبة الوطن، عدد 37).

وتابع: “اليوم أول آب يحتفل الجيش اللبناني بعيده. وهو عيد لكل لبنان، والمؤسسة العسكرية تمثل نقطة لقاء وطنية بين اللبنانيين.

من عبرين، وفي قداس الشكر هذا، نتوجه بتحية وفاء واعتزاز ومعايدة إلى جيشنا اللبناني، قيادةً وضباطًا ورتباء وأفرادًا، وإلى شهدائه وجرحاه وعائلاتهم. جيشنا كرامتنا وعزّنا؛ به نكبر ونعتز. هو سياج الوطن، وحارس الأرض، وضمانة الاستقرار، والمؤسسة التي نريدها دائمًا قويةً، موحدةً، قادرةً على القيام برسالتها الوطنية. وفي عيده، نصلي من أجل كل عسكري يقف في موقعه حاملًا لبنان في قلبه، ساهرًا على أمن شعبه.

إن الوطن الذي آمن به الحويّك يحتاج اليوم إلى دولة قوية بمؤسساتها، وإلى جيش قوي بوحدته وعقيدته الوطنية، وإلى مواطن قوي بإيمانه بوطنه. لقد عرف الحويّك زمنًا لم يكن أقل قسوة من زمننا، ومع ذلك لم يستسلم. لم يقل إن لبنان انتهى، بل آمن به وعمل من أجله. هذا هو الدرس الذي نحتاج إليه اليوم: لا نيأس من وطن أعطى أمثال الحويّك”.

وختم الراعي: ” فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، سائلين الله، بشفاعة الطوباوي مار الياس بطرس، أن يجعلنا ملحًا ونورًا في مجتمعنا، له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين”.

وفي ختام القداس اقيم تطواف بذخائر الطوباوي الحويك.

ثم أقيم حفل فني ديني قدمت له الاعلامية يارا درغام وتخللته شهادات حية من النحات نايف علوان حول منحوتات البطريرك الحويك وكاتبة سيناريو فيلم “البطريرك الياس.. الله بيدبر” سوزي الخوري حنّا.

كما جرى عرض ثلاثيّ الأبعاد (3D Animation) عن حياة الحويك، فعرض لموسيقى الجيش اللبناني وأمسية روحيّة مع المرنّمة كريستيان نجّار.

زر الذهاب إلى الأعلى