الصفحة الرئيسيةثقافةخاصخبر عاجلفنون
“صوت الوطن… حين يُغنّي الجمال»… ليلة أعاد فيها زكي ناصيف صورة لبنان الجميل

هنا وطني/ – هناك أمسيات تُصفَّق لها، وأخرى تُحفظ في الذاكرة. أما تلك التي احتضنها المدرج الروماني في زوق مكايل، في الأمس احتفاءً بالذكرى المئة والعاشرة لولادة زكي ناصيف، فكانت أشبه باستعادة وطن كامل، بكل ما فيه من حنين وجمال وإيمان.
لم يكن الحضور قد جاء ليستمع إلى أغنيات يعرفها عن ظهر قلب، بل ليبحث عن شيء افتقده منذ زمن طويل، عن لبنان الذي يسكن الموسيقى، وعن هوية بقيت صامدة على الرغم مما مرّ على البلاد من حروب وأزمات وانكسارات.
تحت عنوان «صوت الوطن… حين يُغنّي الجمال»، نظّمت جوقة فيلوكاليّا، بالتعاون مع برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأميركية في بيروت، أمسية استثنائية تجاوزت مفهوم الاحتفال، لتتحول إلى رسالة ثقافية ووطنية تؤكد أن الكبار لا يغيبون، وأن الذين صنعوا ذاكرة لبنان الفنية باقون في وجدان شعبهم، مهما تبدلت الأزمنة.
بقيادة الأخت مارانا سعد، التي جعلت من فيلوكاليّا مشروعًا دائمًا لحماية الذاكرة الموسيقية اللبنانية، صدحت الجوقة ترافقها الفرقة الموسيقية، فيما أضفت الفنانة رفقا فارس وفرقة برجا للفنون الشعبية ألوانًا من التراث الأصيل، فبدت الخشبة وكأنها تعانق تأريخًا كاملاً من الفن اللبناني.
وحضر الأمسية السيدة الأولى نعمت عون، وسيادة المطران حنا علوان، ورئيس بلدية زوق مكايل الأستاذ الياس بعينو، إلى جانب شخصيات ثقافية وفنية وإعلامية، وحشد كبير من اللبنانيين الذين اجتمعوا على محبة اسم لا يزال يعني لهم الكثير: زكي ناصيف.
وفي محطة وفاء، قُدمت للسيدة الأولى منحوتة تقديرية من إبداع النحات نايف علوان، لتبقى شاهدًا على ليلة كرّمت قامة فنية ساهمت في ترسيخ الهوية الموسيقية اللبنانية، وفي صناعة ذاكرة وطن بأكمله.
غير أن ما ميّز الأمسية لم يكن البرنامج الفني وحده، بل تلك الروح التي بثّتها الأخت مارانا سعد في كل تفاصيلها. فمنذ سنوات، وهي تعيد اللبنانيين، في كل مناسبة تحتفي بإحدى قاماتهم، إلى الزمن الجميل، لا بدافع الحنين فحسب، بل إيمانًا بأن الشعوب التي تحفظ إرثها تعرف كيف تبني غدها.
وفي كلمتها الختامية، شكرت كل من ساهم في إنجاح هذه الأمسية، لكن الشكر الحقيقي كان من الجمهور لها، لأنها تثبت في كل مرة أن الثقافة ليست ترفًا، بل فعل مقاومة، وأن الموسيقى ليست مجرد ألحان، بل ذاكرة وهوية وانتماء.
لقد أعادت زكي ناصيف إلى بيوت اللبنانيين، وإلى طفولة كثيرين، وإلى شبابهم، وقدّمته في الوقت عينه إلى جيل جديد لم يعش زمنه، فاكتشف أن الفن الحقيقي لا يعرف الشيخوخة، وأن المبدعين الكبار لا يرحلون، بل يغيّرون فقط مكان حضورهم، من المسرح إلى الوجدان.
الرسالة التي حملتها الأمسية كانت واضحة: إن الذين صنعوا اسم لبنان لا يموتون. يبقون شامخين، كأرز الرب، عصيين على النسيان، فما يزرعه الإبداع الصادق في ذاكرة الناس لا تقتلعه السنوات، ولا تبدده الأزمات.
وفي الختام ارتفعت أغنية «راجع يتعمر لبنان»، التي لم تكن مجرد خاتمة موسيقية، بل صلاة وطنية ردّدتها القلوب قبل الحناجر. ولوّحت الأعلام اللبنانية في المدرج، وتعالت الزغاريد، واغرورقت العيون بدموع لم تكن دموع حزن، بل دموع فخر وفرح، لأن لبنان، ولو للحظات، عاد كما يحلم به أبناؤه.
منذ زمن طويل، لم يشعر اللبنانيون بهذا القدر من الفرح الصادق. فرح تسلل من بين ثقوب التعب، ومن تحت ركام الحروب، ليؤكد أن الإيمان يغلب الخوف، وأن الحياة تنتصر على الموت، وأن الضحكة أقوى من البكاء.
كانت ليلة قال فيها الفن كلمته، وانتصر فيها الجمال على القسوة، وعاد فيها زكي ناصيف ليذكّر الجميع بأن لبنان ليس خبرًا عن أزمة، بل وطنٌ كُتب له أن يبقى، ما بقيت فيه قامات تحفظ ذاكرته، وأصوات تؤمن بأن الأغنية قادرة، أحيانًا، على أن تعيد شعبًا كاملًا إلى وطنيته.







