بقلم: إيلي إ. حرب
تشهد إيران واحدة من أخطر موجات الاضطراب الداخلي خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا وارتفاع في عدد القتلى والجرحى والمحتجزين، في وقت تتشدد فيه السلطة داخليًا وتتزايد فيه الضغوط السياسية الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة. التطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة توحي بأن البلاد دخلت مرحلة مفصلية يصعب احتواؤها بالأساليب التقليدية.
موجة احتجاجات شاملة
بحسب مصادر إعلامية وحقوقية متقاطعة، امتدت الاحتجاجات إلى معظم المحافظات الإيرانية، مع تسجيل تحركات في أكثر من 180 مدينة وبلدة. وتصدرت طهران المشهد باعتبارها المركز السياسي والاقتصادي، حيث شهدت تجمعات في محيط الجامعات، الأسواق، وبعض الأحياء المركزية. وبرزت مدن كبرى مثل مشهد وأصفهان، إلى جانب محافظات الغرب الإيراني، خصوصًا كرمانشاه، أيلام، لرستان، باعتبارها نقاط توتر عالية.
في المناطق ذات الغالبية الكردية، اتخذت الاحتجاجات طابعًا أكثر حدة، مع انتشار أمني مكثف وفرض قيود مشددة على الحركة والاتصالات. هذا الامتداد الجغرافي الواسع يعكس تحوّل الاحتجاجات من بؤر محلية محدودة إلى ظاهرة وطنية عابرة للمناطق والانقسامات الاجتماعية.
حصيلة بشرية مقلقة
إنسانيًا، تشير التقديرات إلى سقوط نحو 65 قتيلًا منذ بداية الاحتجاجات، بينهم متظاهرون ومدنيون، إضافة إلى مئات الجرحى نتيجة استخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع ووسائل تفريق عنيفة. كما تم تسجيل أكثر من 2300 حالة اعتقال، في إطار حملة أمنية تهدف إلى كبح زخم الشارع وتفكيك شبكات التنظيم الميداني.
وعلى الرغم من تضارب الأرقام بين المصادر الرسمية وتقارير منظمات حقوق الإنسان، فإن المؤشرات العامة تؤكد أن الحصيلة البشرية مرشحة للارتفاع، خصوصا في ظل استمرار المواجهات وغياب أي بوادر تهدئة حقيقية.
موقف إيران: خيار الحسم الأمني
على المستوى الرسمي، تبنّى المرشد الأعلى علي خامنئي خطابًا تصعيديًا واضحًا، واصفًا المحتجين بـ”المخربين” والمتأثرين بقوى خارجية، ومؤكدًا أن النظام لن يتراجع أمام ما يعتبره محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي. هذا الموقف ترافق مع تشديد القبضة الأمنية ومنح الأجهزة المعنية هامشًا واسعًا للتحرك.
في المقابل، دعا رئيس الجمهورية مسعود بيزشكيان إلى خفض التوتر وفتح قنوات الحوار، إلا أن تأثيره بقي محدودًا، في ظل تركّز القرار الفعلي بيد المرشد والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ما يجعل خيار الاحتواء السياسي ضعيف الحضور.
الموقف الأميركي: ضغط بلا تدخل
خارجيًا، تابعت الولايات المتحدة التطورات عن كثب. فقد حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب السلطات الإيرانية من استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، ملمحًا إلى ردود “مؤلمة” في حال استمرار القمع. وفي الوقت نفسه، شددت واشنطن على استبعاد أي تدخل عسكري مباشر، مفضلة أدوات الضغط السياسي، والعقوبات، والملف الحقوقي في المحافل الدولية. أما الخارجية الاميركية فعبرت عن دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني، ووصفت اتهامات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لها بتأجيج حركة الاحتجاج التي اتسعت رقعتها في إيران بالوهمية وتهدف الى صرف الأنظار عن التحديات الجسيمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل.
في الخلاصة تعكس خريطة الاحتجاجات واتساعها أن الأزمة الإيرانية تجاوزت المطالب المعيشية، لتلامس بنية النظام نفسه. أما الجمع بين التصعيد الأمني الداخلي والضغط الخارجي، فيضع إيران أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث قد يؤدي استمرار النهج الحالي إلى تعميق الغضب الشعبي بدل احتوائه، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر اضطرابًا في المرحلة المقبلة.