بقلم: شارل سركيس
رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي اللبناني
في 25 شباط 2026، وقبل أشهر قليلة من الانتخابات النيابية، أصدر وزير المالية ياسين جابر تعميماً خطيراً . للوهلة الأولى، قد يبدو كإجراء تقني بحت : تنظيم تسجيل الأراضي غير الممسوحة والمشاعات. لكن لمن يعرف خلفيات الرجل وتاريخ الصراع على الأرض في لبنان، يدرك أن هذا التعميم هو إعلان حرب هادئ على الوجود المسيحي في جبل لبنان.
من هو ياسين جابر؟ هو وزير مالية شيعي من حركة أمل، الحليف الأقرب لحزب الله، ونائب عن النبطية. النبطية ذاتها التي شهدت قبل أيام قليلة فضحية تزوير خرائط المساحة العائدة للعام 1931، بهدف الاستيلاء على أراضي دير في ابل القمح
ماذا يقول التعميم؟ يأمر جميع القضاة العقاريين والمساحين والمخاتير بعدم تسجيل المشاعات (الأراضي المشتركة التاريخية) والأراضي غير الممسوحة (وهي كثيرة في القرى المسيحية) باسم البلديات أو الأهالي مباشرة. يجب تسجيلها أولاً باسم “الدولة اللبنانية”. كما يمنع المخاتير من إصدار إفادات “علم وخبر” لهذه الأراضي، ويعتبرها من صلاحية القاضي العقاري حصراً. والأهم: يجعل وزارة المالية (أي نفسه) الوصي الوحيد على مصير هذه الأراضي، فلا يمكن نقل ملكيتها للبلديات إلا بموافقته الشخصية.
لماذا هذا التعميم خطير على المسيحيين تحديداً؟
لأن المشاعات في جبل لبنان ليست مجرد أراض. هي الذاكرة الجماعية للقرى المسيحية والدرزية. هي الأراضي التي كانت مشاعاً بين أهالي البلدة منذ مئات السنين، استُخدمت للرعي وللأعياد وكضمانة أن الأرض تبقى لأبنائها. في كسروان، في جبيل، في المتن، في الشوف، المشاعات هي التي حفظت التوازن الديموغرافي والديني لقرون.
أن الأراضي غير الممسوحة هي في غالبها أراضٍ في قرى مسيحية لم تُجرَ تسويتها العقارية النهائية بعد . تحويلها إلى “أملاك دولة” يعني وضعها تحت تصرف وزارة المالية إلى أجل غير مسمى، في غياب أي رقابة أو ضمانات.
هذا التعميم ليس الأول. إنه حلقة في سلسلة بدأت مع مذكرات علي حسن خليل الداخلية في 2015، واستمرت مع أحكام القضاء الجعفري في كفركلا (2017) التي نقلت أراضي مسيحية إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وصولاً إلى عمليات شراء الأراضي الممنهجة في بعبدا (56 قطعة) ورميلة (عبر جمعية الكوثر المرتبطة بحزب الله). وهو يتزامن مع اعتقالات النبطية لموظفي المساحة.
ما هو الهدف الاستراتيجي؟
الهدف هو ما أُنجز بالفعل في الضاحية الجنوبية لبيروت. تلك المنطقة التي كانت تعرف تاريخياً باسم “ساحل النصارى”، وتحولت بالكامل إلى معقل لحزب الله. الآن، يتم تطبيق السيناريو نفسه على جبل لبنان. إذا سقطت مشاعات كسروان وجبيل والمتن في قبضة “الدولة” التي يسيطر عليها الثنائي الشيعي، فلن يبقى للمسيحيين سوى الكنائس والبيوت الفردية، محاصرين بأراضٍ أميرية يمكن توطين نازحين جدد عليها، أو تحويلها إلى قواعد عسكرية.
هذا هو المشروع : تفكيك لبنان المتعدد عبر تغيير ديموغرافي ممنهج، بدأ مع الحرب بالتهجير القسري، ثم شراء الأراضي، ثم تزوير الخرائط، وانتهاءً بتعميم “يؤمم” المشاعات لصالح سلطة طائفية.
نحن في الحزب الديمقراطي المسيحي نقول بوضوح : هذا التعميم لن يمر . جبل لبنان ليس الضاحية. أهله صمدوا أمام الإمبراطوريات والغزوات على مدى ألفي عام ، وهم اليوم يعدون العدة لدستور فيدرالي يرد الأمور إلى نصابها: دستور يعيد المشاعات لأهلها، ويلغي كل التعاميم المصادرة، ويؤسس كانتوناً مسيحياً له السيادة على أرضه.
نناشد أبناء الجبل، مسيحيين ودروز :
لا تبيعوا أراضيكم. وثقوا كل شيء. انشروا هذا الكلام ، لأن الصمت اليوم هو تواطؤ في سرقة المستقبل.
أما لياسين جابر وحركة أمل وحزب الله فنقول: الجبل ليس ساحة انتظار لمشاريعكم . المقاومة الحقيقية هي مقاومة مصادرة حقوق الآخرين. ونحن باقون، شامخون، كأرزنا.
وزير المالية أصدر تعميما يتعلق بإفادات العلم والخبر وضوابط ملكية العقارات والمشاعات