لم تستطع فاطمة مشيك أن تتعامل مع العودة إلى منزلها في ضاحية بيروت الجنوبيّة على أنّها نهاية لفصل النزوح. فالحقائب التي حملتها العائلة يوم غادرت الضاحية لم تجد طريقها إلى الخزائن بعد، بسبب القلق الدائم من تجدّد القتال.
والحرب الأخيرة لم تترك وراءها أبنية متضرّرة فقط، بل غيّرت طريقة عيش الناس، وقراراتهم. فأصبح ترميم منزل، أو افتتاح متجر، أو استثمار مدّخرات، أو حتى تفريغ حقيبة سفر، خطوة مؤجلة. بعضهم عاد إلى الضاحية، لأنّ كلّ الخيارات الأخرى المتاحة تمّ استنفادها. بعض آخر بقي بعيدًا عنها، لأنّه لا يزال يملك بديلًا للعيش.
عدنا… لكنّ حقائبنا بقيت جاهزة
في الواقع، يعيش كثير من سكان الضاحية مرحلة انتظار أكثر منها بداية جديدة. تقول مشيك: «عدنا إلى منزلنا، لأنّنا لم نعد قادرين على البقاء خارجه، لكنّنا أبقينا الملابس والأدوية والأغراض الأساسيّة في الحقائب داخل السيارة. فإذا اضطررنا إلى المغادرة مرة أخرى، نريد أن نكون جاهزين».
وتشير إلى أنّ الأعباء المعيشيّة دفعت العائلة إلى العودة، موضحة أنّ «العودة إلى الضاحية تخفّف الكلفة مقارنة باستئجار منزل آخر»، فضلًا عن أنّ والدها «يعيد تشغيل متجره لتأمين الاحتياجات اليوميّة للأسرة، وهو ما يساعدهم على مواجهة الظروف الاقتصاديّة».
العودة لأنّ الإيجار أصبح مستحيلًا
ينسحب هذا الواقع على مريم صالح، فالعودة لم تكن قرارًا مرتبطًا بالأمان، بل بالقدرة على الاستمرار خارج الضاحية. تقول مريم لـ«الشرق الأوسط»: «استأجرنا منزلاً في عرمون (في قضاء عالية، وتبعد 22كلم عن بيروت) خلال فترة النزوح، لكنّ والدي لم يعد قادرًا على دفع نحو 500 دولار شهريًا بدل الإيجار، إضافة إلى مصاريف التنقل. في النهاية، لم يعد أمامنا من خيار سوى العودة».
وتشير إلى أنّ المبنى الذي تقطنه لا يزال شبه فارغ، موضحة أنّ «عددًا كبيرًا من السكان لم يعودوا حتى الآن، فيما بقيت شقق كثيرة متضرّرة، ولم تُرمّم». وتضيف: «الناس لا تزال خائفة، لكنّ كثيرين عادوا، لأن الظروف المعيشية لم تترك لهم خيارًا آخر».
استنفدنا كلّ ما ادخرناه قبل الحرب
واضطر كثير من سكّان الضاحية إلى النزوح، واستئجار منازل خارجها بسبب القصف الإسرائيلي، كما اضطر من لا يملك القدرة على دفع الإيجارات إلى السكن في مراكز إيواء. تقول زينب حميّة إنّ العودة إلى الضاحية «لم تكن عودة إلى الأمان، بل نتيجة مباشرة لاستنفاد القدرة على البقاء خارجها، بعدما استهلكت العائلات كل ما كانت قد ادخرته قبل الحرب». وتضيف: «لم أعد لأن الخوف انتهى، بل لأنّني لم أعد أملك رفاهية النزوح. كل ما جمعناه قبل الحرب صرفناه خلالها، ولم يعد بإمكاننا تحمّل كلفة الإيجار، أو الحياة في مكان آخر، لذلك كانت العودة خيارًا فرضته الظروف، لا نتيجة شعور بالأمان».
وتشير إلى أنّ كثيرين عادوا إلى منازل متضرّرة تفتقد الأبواب، أو النوافذ، موضحة «أنّ الأهالي يؤجلون الترميم، لأنّ الأولوية أصبحت لتأمين متطلبات الحياة اليوميّة، ولأنّهم لا يملكون ضمانات تمنع تكرار الحرب». وتضيف: «العمل تراجع، والمصاريف ازدادت، وحتى تأمين المياه والكهرباء أصبح أكثر كلفة»، مشيرة إلى «أنّنا نعيش بين الخوف وضيق الحال، لكنّنا لم نعد نملك خيارًا آخر»
امتلاك البديل حسم القرار
على الطرف المقابل، اتخذ علي، وهو مريض بالسرطان، قرارًا مختلفًا تمامًا. فرغم أنّ منزله في الضاحية لم يتعرّض لأي ضرر، فإنه فضّل عدم العودة، مستفيدًا من وجود مكان يقيم فيه في جبل لبنان.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي سليم، لكنّني لا أريد أن أكرّر ما عشته في الثاني من مارس (آذار)، عندما اضطررنا إلى الهروب تحت القصف. طالما لدي مكان آخر أقيم فيه، سأبقى هناك»
ويؤكّد أنّ حالته الصحيّة كانت العامل الحاسم في قراره، موضحًا أنّ أي نزوح جديد قد يؤثر على علاجه، واستقراره الصحي.
ويضيف: «أنا مريض سرطان، وأحتاج إلى متابعة علاجي بانتظام. لا أريد أن أعيش مرّة أخرى ضغط الحرب، والتنقل، والخوف. عندما أتأكّد أنّ الاستقرار أصبح دائمًا فسوف أعود، لكنني اليوم أفضل البقاء في جبل لبنان، لأنّني أملك البديل».
ترميم بالحدّ الأدنى… واستثمارات مؤجلة
وينسحب هذا الحذر أيضًا على أصحاب المؤسسات التجاريّة الذين عاد كثير منهم إلى أعمالهم، لكن من دون أن يعودوا إلى الاستثمار كما كان الحال قبل الحرب
يقول يوسف بدران، وهو صاحب متجر في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، إنّ العودة إلى العمل لم تعنِ بالنسبة إليه استعادة الثقة بالأمان، بل فرضت عليه إدارة تجارته بمنطق الحذر، خشية أنّ تضيع أي استثمارات جديدة إذا عاد التصعيد. ويروي لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن لم أُعد تركيب الواجهات الزجاجيّة للمحل، واكتفيت بتغطيتها بالنايلون منذ ثلاثة أشهر. قلت لنفسي: إذا استقر الوضع فعلًا يمكنني لاحقًا تركيب الزجاج، أما الآن فلا أريد أن أخسر المال إذا تجدّدت الحرب».
ويضيف أنّ قراره لم يكن سببه ضعف الإمكانات الماليّة فقط، بل غياب اليقين أيضًا، قائلًا: «حتى لو كانت لدي القدرة، فسوف أحسب الأمور مائة مرّة قبل أن أصرفها. لا أحد يعرف ماذا قد يحدث، وقد تخسر كلّ ما دفعته خلال لحظة».
ويشير إلى أنّ عودته إلى السوق كانت تدريجيّة، إذ لم يعد يوظف كامل رأسماله كما كان يفعل قبل الحرب. ويوضح: «قبل الحرب كنت أستثمر كلّ رأسمالي تقريبًا، أمّا اليوم فأشغّل نصفه فقط، وأحتفظ بالنصف الآخر تحسّباً لأيّ طارئ. أشتري البضائع بحذر، وأركّز على الأصناف الأساسيّة، والكلاسيكيّة، لأنّ المرحلة لا تحتمل المجازفة»
أمّا على المستوى الشخصي، فهو يوضّح أنّه عاد إلى الضاحية للعمل فقط، بينما لم يتخذ قرار العودة إليها للسكن، معتبرًا أنّ «الضربة الأخيرة التي استهدفت الضاحية تركت أثرًا عميقًا في نفوس السكان»، مضيفًا: «هذه الصدمة لم تغادر الناس. لا الصغار نسوها، ولا الكبار. لذلك قد نكون عدنا إلى أعمالنا، لكنّنا لا نزال نعيش ونتخذ قراراتنا وكأنّ احتمال الحرب ما زال قائمًا في أي لحظة»
أقفل متجره… بانتظار العودة
أمّا عماد عياش، فاتخذ قرارًا أكثر قسوة. فبعد أكثر من عشرين عامًا أمضاها في متجره في الضاحية، أنهى عقد الإيجار، وأقفل المحل، ونقل نشاطه التجاري إلى الخارج، حيث يعمل اليوم في تجارة الجملة.
يقول عماد: «لم يكن القرار سهلًا، لكنني لم أعد أستطيع الاستمرار وسط هذا القدر من عدم اليقين. فضّلت إقفال المتجر، وإنهاء عقد الإيجار، بدلًا من الاستمرار في عمل لا أعرف إن كان سيصمد إذا تبدلت الظروف من جديد».
ورغم انتقاله إلى الخارج، يؤكّد عياش أنّ قراره لا يعني التخلّي عن الضاحية، بل تأجيل العودة إليها. ويضيف: «إذا تأكّدت من عودة الاستقرار بشكل نهائي، فسوف أستأجر محلًا جديدًا في الضاحية وأعود إلى ممارسة عملي. المشكلة ليست في المكان، بل في غياب الثقة بأن ما نعيشه اليوم سيستمر».
صبحي أمهز – الشرق الاوسط