الصفحة الرئيسيةخبر عاجلدراسات ومقالاتمتفرّقات

الجامعة اللبنانية: حين يصبح خرق القانون سياسةً لإدارة الانهيار

بقلم بشير عصمت

19 يوليو، 2026

لم يكن يوم التمديد لرئيس الجامعة اللبنانية يوماً أسود لأن شخصاً بقي في منصبه ستة أشهر إضافية فحسب، بل لأن مجلس النواب قرر أن يعالج أزمة الجامعة بخرق فلسفة قانونها، وأن يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والفراغ المتعمّد إلى ذريعة، والمحاصصة إلى آلية شرعية لإدارة أهم مؤسسة أكاديمية عامة في لبنان.

مُدّدت ولاية رئيس الجامعة ستة أشهر، بذريعة إتاحة الوقت لتشكيل مجلس الجامعة، وعُدّل القانون بما يسمح له بالترشح لولاية ثانية. هكذا رُبط مصير الرئاسة بتشكيل مجلس غائب منذ سنوات، وربط تشكيل المجلس، بدوره، بتوافق القوى السياسية على أعضائه وحصصها فيه. لم تعد المسألة اختيار الأكفأ لإدارة الجامعة، بل ترتيب القطع على رقعة المحاصصة: ستة أشهر للرئيس، ومقاعد للأحزاب في المجلس، ثم ولاية ثانية محتملة إذا اكتملت الصفقة.

هذه ليست معالجة للفراغ، بل صناعة قانونية للفراغ ثم استثماره سياسياً.

لم تكن الجامعة جزيرة في وطن ينهار

يخطئ من يتعامل مع انهيار الجامعة اللبنانية كحادث منفصل عن التراجع الوطني العام. فالجامعة لم تكن بمنأى عن انهيار الدولة، كما لم يكن القضاء بمنأى عنه، ولا الضمان الاجتماعي، ولا الإدارة العامة، ولا المؤسسات الأمنية والرقابية. حين تتحول الدولة إلى مجال لتقاسم النفوذ، لا يمكن أن تبقى جامعتها واحة مستقلة تحكمها المعرفة والكفاءة.

ولكن السؤال الأهم هو: لماذا نتوقع أصلاً أن ترفع الطبقة السياسية يدها عن الجامعة؟

الجامعة، في نظر منظومة المحاصصة، ليست فضاءً للمعرفة، بل مؤسسة توزع وظائف وعقوداً ومناصب وألقاباً. فيها رئاسة وعمداء ومديرون وأساتذة ومتعاقدون وموظفون ولجان وموازنات ومشتريات وفروع وشهادات. وكل موقع فيها يمكن تحويله إلى ربح سياسي أو مالي أو انتخابي أو طائفي.

إنها، بالنسبة إلى أحزاب السلطة، ليست جامعة يجب تحريرها، بل مورد يجب تقاسمه. فما الذي يدفع هذه الأحزاب إلى التخلي، بالتراضي، عن مؤسسة تمنح النفوذ والوظائف والألقاب والشهادات؟ ولماذا ترفع الطبقة الفاسدة يدها عن الجامعة إذا كانت الجامعة قادرة على إنتاج الولاءات، وتغطية التعيينات، وتوفير الوجاهة الأكاديمية لمن يحتاج إليها؟

من هنا، لا تكون المحاصصة انحرافاً عارضاً عن إدارة الجامعة؛ إنها الوظيفة التي تريدها السلطة للجامعة.

خرق القانون لا يصبح إصلاحاً بحجة منع الفراغ

ينص قانون الجامعة على ولاية محددة لرئيسها، وعلى آلية لاختيار المرشحين، وعلى دور لمجلس الجامعة ووزير التربية ومجلس الوزراء. وفلسفة تحديد الولاية واضحة: منع تحول الرئاسة إلى ملك شخصي، وضمان التداول، والفصل بين المؤسسة وشاغل المنصب.

لكن ما حصل قلب هذه الفلسفة رأساً على عقب. بدلاً من تطبيق القانون في موعده، تُرك مجلس الجامعة معطلاً. وبدلاً من محاورة او محاسبة المسؤولين عن تعطيله، استُخدم غيابه حجة للتمديد. ثم عُدّل القانون للسماح للرئيس الحالي بالترشح مجدداً.

هذا ليس تطبيقاً للقانون، بل تطويع للقانون لكي يلائم واقعاً سياسياً جرى إنتاجه عمداً.

لقد أصبح التعطيل في لبنان أداة من أدوات التشريع: تُعطّل المؤسسة، ثم يُقال إن الظروف الاستثنائية تفرض حلاً استثنائياً، ثم يُفصّل الاستثناء على قياس المستفيد منه. وبعد ذلك يُطلب من الناس تصديق أن ما جرى كان ضرورياً لحماية الاستمرارية.

لكن الاستمرارية التي تقوم على خرق القواعد ليست استمرارية المؤسسة؛ إنها استمرارية السيطرة عليها.

من قال إن الرئيس الممدد له هو من سينتشل الجامعة؟

ليس السؤال شخصياً، ولا يجوز اختزاله في خصال الرئيس الحالي أو علاقاته أو انتمائه. السؤال مؤسسي وأخلاقي: ما المشروع الأكاديمي الذي استحق من أجله التمديد؟ وما الإنجاز الذي يبرر تعديل القانون؟ وما الخطة التي قُدمت لإنقاذ الجامعة من تراجعها؟ وما المعايير التي جرى على أساسها تقييم أداء الرئاسة قبل فتح الطريق أمام ولاية ثانية؟

من قال إن الرئيس الممدد له هو الشخص القادر على انتشال الجامعة من القاع؟ ومن قال، أصلاً، إن الذين مدّدوا له يعترفون بأن الجامعة بلغت القاع؟

لا تعترف القوى السياسية بحقيقة الانهيار، ولا تبدو إدارة الجامعة مستعدة للاعتراف بها. والسبب أن الاعتراف يفرض تحديد المسؤوليات، وقياس النتائج، وكشف مستوى التعليم والبحث والإدارة، ومقارنة الشعارات بالواقع. أما الإنكار، فيسمح للجميع بالاستمرار: السياسي يوزع الحصص، والإدارة تصدر البيانات، وكل طرف يحتفل بإنجازات لا يشعر بها الأستاذ ولا يراها الطالب.

المشكلة ليست في غياب المنقذ الفرد، بل في غياب النية السياسية لإنقاذ الجامعة. فلو كانت النية موجودة لبدأ الإصلاح من إعادة بناء استقلالها، وتشكيل مجلسها وفق معايير أكاديمية، واحترام ولايات مسؤوليها، ونشر موازنتها، وإخضاع تعييناتها للمنافسة، وتقييم برامجها وكلياتها وأبحاثها تقييماً مستقلاً.

أما البحث عن «رئيس منقذ» داخل منظومة تمنعه من الاستقلال، فليس سوى طريقة أخرى للهروب من السؤال الحقيقي: من يحتل قرار الجامعة؟

حين يصبح التلقين منهجاً جديداً

في أحد الاجتماعات، كنت عضواً في رابطة الأساتذة، وحاول أحد رؤساء الجامعة السابقين إقناعنا بالتقدم الذي حققته الجامعة في عهده. تحدث طويلاً عن تصنيف عالمي استند فيه إلى جهة لا تتمتع بالاعتراف الأكاديمي الذي أراد الإيحاء به. وكنا، نحن الذين نعرف الجامعة من الداخل، نعرف أيضاً ما فعلته بها الحرب وأحزابها والطائفية والتدخلات السياسية.

ثم أراد الرئيس أن يبشرنا بتجديد المناهج، فقال إن الجامعة تنتقل إلى مناهج جديدة «تعتمد التلقين».

لم يتراجع عن العبارة إلا بعدما لفت أحد الحاضرين نظره إلى أن تقديم التلقين بوصفه تجديداً تربوياً ليس إنجازاً، بل فضيحة. أدرك الرئيس أن ما قاله خطأ، لكنه لم يعرف ما البديل الصحيح، فاكتفى بالقول إنها «مناهج من مستوى رفيع»، لئلا يقع في فضيحة أخرى. هذه هي النماذج التي يقدمها بري على أنها وجه و قيادة اهم و اكبر مؤسسة تعليم عالي في لبنان الحضارة.

هذه الحادثة ليست طرفة لغوية. إنها تختصر أزمة أعمق: إدارة تستخدم مفردات الحداثة والتصنيف والتطوير من دون امتلاك مضمونها. تريد أن تبدو الجامعة حديثة على الورق، فيما التعليم يتراجع، والبحث العلمي يختنق، والمناهج تتقادم، والبنية التحتية تنهار، واستقلال الأستاذ يُستبدل بولائه، وحق الطالب يتحول إلى منّة.

اما التلقين الذي اظهر غباء الرئيس- المثال ليس مجرد طريقة تدريس قديمة. لكنه النموذج السياسي الذي يراد للجامعة أن تتبناه: يلقّن السياسي الإدارة ما تريد، وتلقّن الإدارة الكليات، وتلقّن الكليات الأساتذة، ويلقّن الأستاذ الطالب، إلى أن تصبح الطاعة بديلاً من المعرفة، والحفظ بديلاً من التفكير، واللقب بديلاً من الكفاءة.

كيف يقبل الأستاذ إملاءات من يجهل معنى الجامعة؟

كيف يرتضي أستاذ جامعي أن يخضع لإملاءات سياسي أمي؟ كيف يقبل حامل المعرفة أن يطلب رضى من نال شهادته بالتزوير إبان الحرب، أو بنفوذ حزبه، أو بقوة موقعه في الطائفة؟ وكيف يصبح صاحب السلطة السياسية مرجعاً في اختيار الرئيس والعميد والمدير والأستاذ، بينما لا يستطيع التمييز بين جامعة تنتج المعرفة ومؤسسة توزع الشهادات؟

لا تكمن المأساة في تدخل السياسي وحده، بل في قبول الأكاديمي بهذا التدخل. فالمحاصصة تحتاج دائماً إلى طرفين: سياسي يفرض، وأكاديمي يرضخ أو يستفيد أو يصمت. وما كان للأحزاب أن تحكم قبضتها على الجامعة لولا وجود جامعيين قبلوا تحويل مواقعهم العلمية إلى وسائط سياسية.

استقلال الجامعة لا يسقط فقط عندما يقتحمها السياسي، بل عندما يفتح له الأستاذ الباب.

إهانة الجامعة حاجة لتوسيع تجارة العلم

إن إضعاف الجامعة اللبنانية ليس صدفة ولا نتيجة إهمال بريء. إنه يخدم سوقاً كاملة قامت على تحويل التعليم العالي إلى تجارة. فكلما تراجعت الجامعة العامة، ازداد الطلب على عشرات الجامعات والمعاهد الخاصة التي نبت بعضها كالفطر، من دون أن تكون أفضل علمياً من الجامعة الأم، ومن دون أن تمتلك تاريخها أو كفاءاتها أو دورها الوطني.

إفراغ الجامعة اللبنانية من إمكاناتها يدفع الطلاب القادرين إلى الجامعات الخاصة، ويدفع العائلات إلى الاقتراض أو بيع ما تملك، ويحوّل الحق في التعليم إلى سلعة. أما الطلاب غير القادرين، فيُتركون داخل مؤسسة عامة مكتظة، ضعيفة التمويل، متعبة الإدارة، ثم يُقال لهم إن تراجع المستوى قدر لا يمكن تغييره.

هكذا تُرفد «تجارة العلم» بالضحايا: عائلات تدفع ما لا تملك، وطلاب يشترون أملاً لا توفره بعض المؤسسات، وشهادات تتكاثر فيما المعرفة تتراجع. والنتيجة ليست فقط خريجين عاطلين عن العمل، بل أحياناً خريجين يحملون ألقاباً جامعية من دون امتلاك أدوات التفكير والبحث والمهنة.

لذلك فإن الدفاع عن الجامعة اللبنانية ليس دفاعاً عن مؤسسة واحدة، بل عن بقاء التعليم حقاً عاماً، وعن منع تحويل مستقبل الشباب إلى سوق للمتاجرة بالخوف والطموح.

الجامعة ليست جدراناً تجمع أستاذاً وطالباً

قد يقول قائل إن بين طلاب الجامعة اللبنانية طلاباً متفوقين. وهذا صحيح. ولا يزال بين أساتذتها أصحاب ضمير وكفاءات أكاديمية رفيعة. وسيبقى في لبنان طلاب نابهون مهما انهارت المؤسسات.

لكن هل يكفي أن تجمع الجامعة في غرفة واحدة، حول طاولة وكرسي، أستاذاً كفؤاً وطالباً نابغة يعمل ليلاً لكي يتعلم نهاراً، ثم تدّعي أنها أدت رسالتها؟

فضل الجامعة لا يكون فقط في جمعهما، بل في تأمين المختبر والمكتبة والمنهج والبحث والوقت والحرية والعدالة الأكاديمية. الجامعة مسؤولة عن تحويل اللقاء بين الأستاذ والطالب إلى معرفة منتجة، لا عن تركهما يقاومان الانهيار بمفردهما.

الطالب الذي يعمل ليلاً ويدرس نهاراً ليس رقماً في سجل. إنه المعنى الأخلاقي لوجود الجامعة العامة. والأستاذ الذي يحافظ على ضميره الأكاديمي وسط الفقر والتدخلات ليس جزءاً من ديكور المؤسسة، بل شرط بقائها. لكن الذين يتقاسمون الرئاسة والمجالس والمواقع لا يعرفون هذا الطالب، ولا يعنيهم هذا الأستاذ. إنهم يرون المقعد ولا يرون من يجلس عليه، ويرون الوظيفة ولا يرون المعرفة، ويرون الشهادة ولا يرون الإنسان.

إما جامعة مستقلة وإما جهاز لتوزيع الألقاب

المعركة ليست مع شخص رئيس الجامعة، بل مع تحويل الرئاسة إلى حصة، ومجلس الجامعة إلى ائتلاف طوائف، والتوظيف إلى تسوية، والقانون إلى مادة قابلة للتعديل كلما أعاق صفقة.

ليس المطلوب تغيير اسم باسم داخل الآلية نفسها. المطلوب إعادة تأسيس الجامعة اللبنانية كمؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً وأكاديمياً، لها مجلس يتمتع بالشرعية والكفاءة، ورئاسة محددة الصلاحيات والولاية، وموازنة شفافة، ونظام توظيف تنافسي، وهيئة مستقلة لضمان الجودة، وتقييم علني للكليات والبرامج والأبحاث.

يجب أن يُسأل كل مرشح لرئاسة الجامعة: ما تصوره للتعليم والبحث؟ كيف سيوقف انهيار المختبرات والمكتبات؟ كيف سيحمي حرية الأستاذ؟ كيف سيعيد النظر في المناهج؟ كيف سيمنع تضارب المصالح؟ وما مؤشرات النجاح التي يقبل أن يحاسب عليها؟ و هل سيجدد المناهج بترجمة مناهح فرنسا و بلجيكا او استنساخ بعض المناهج الاميركية او الايرانية.

أما أن يسبق الاتفاق على الشخص أي نقاش في المشروع، وأن يُعدّل القانون قبل تقييم الأداء، وأن يُشكّل المجلس بالمحاصصة ثم يطلب منه اختيار الرئيس، فذلك ليس انتخاباً أكاديمياً. إنه إخراج قانوني لقرار اتُخذ في مكان آخر.

الجامعة التي تخضع للسياسيين لا تستطيع أن تعلم طلابها الحرية. والجامعة التي تكافئ الولاء لا تستطيع أن تدّرس النزاهة. والجامعة التي يُخرق قانونها لحماية شاغل منصب لا تستطيع أن تكون مدرسة للمواطنة وسيادة القانون.

لم يكن التمديد ستة أشهر فقط. كان إعلاناً بأن السلطة لا تزال ترى الجامعة اللبنانية أرضاً سائبة قابلة للتقاسم.

والجواب لا يكون بالدفاع عن رئيس سابق أو مهاجمة رئيس حالي، بل بإعادة طرح السؤال الذي يخشاه الجميع:

هل نريد جامعة تنتج المعرفة والمواطنين الأحرار، أم مؤسسة تمنح الألقاب وتوزع الرشاوى السياسية؟

إما أن تعود الجامعة اللبنانية مؤسسة وطنية مستقلة، وإما أن يتواصل إفراغها حتى لا يبقى منها سوى اسم كبير فوق مؤسسة صغيرة، فيما تُدفع أجيال لبنان إلى أسواق تجارة العلم. وإذا سقطت الجامعة العامة، فلن يكون الذي سقط مبنى أو إدارة أو رئيساً. الذي يسقط هو آخر مكان يستطيع فيه ابن الفقير أن يجلس إلى جانب ابن الغني، لا بفضل واسطة أو مال، بل لأن له عقلاً وحقاً ومستقبلاً و أن يتلاقى ابناء البلد الواحد بكل مكوناته في غرفة واحدة و يستمعون و يناقشون منهجا وطني الصنع واحدا.
السلام لروح المؤسسين حسن مشرفية و نزار الزين و حسن ابراهيم و صادر يونس و تحية لعصام خليفة و يوسف ضاهر و رفاقهم و و تحية خاصة لاساتذة و الطب و الهندسة حيث لاتزال الاكاديميا تطغى على التدخلات.

زر الذهاب إلى الأعلى