الصفحة الرئيسيةخاصخبر عاجلسياحة وإغترابمقابلات إغترابيّة

القنصل حسن يحفوفي: مساحة انسانية خلف الرسميّات

 في حديث يضيء ما وراء الواقع، بحيث يصير التواضع شكلاً من أشكال القوة، عندها يظهرالرقيّ الذي لا يحتاج الى تعريف.

في زمنٍ تتزاحم فيه الصور النمطيّة وتبهت المعاني، يطلّ رجل الأعمال اللبناني السيّد حسن يحفوفي، رئيس المجلس القاري الإفريقي وقنصل جمهورية الكونغو في لبنان، بوصفه استثناءً مشرقًا ووجهًا حضاريًا صادقًا لوطنه في الخارج.

لم يكن حضوره امتدادًا لصفةٍ رسميّة جامدة، بل تعبيرًا إنسانيًا نزيهًا عن قيم الشفافيّة والإلتزام والمسؤوليّة، حيث يتقدّم الإنسان على المنصب، والمعنى على الشكل. هو من يؤمن بأن الإنسان من يصنع مركزه ويُحدث فيه الفرق، لا العكس، وأن النور لا ينبع من الكرسي أو اللقب، بل يتسرّب عبر الإنسان فيُلمِع حضورًا ومعنى.

كان لنا الشرف أن نحاوره في حديثٍ تتكشّف فيه ملامح شخصيّة كسرت نمطيّة رجل الأعمال المتحجّر، وقدّمت بدلًا منها صورة لمسؤول يجمع بين التواضع والمهنيّة، بين الهدوء والعمق، وبين الصراحة والرقي. حديثه لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يبني جسور ثقة، ويمنح الكلمة وزنها الحقيقي.

ومن خلال هذا الحوار، يعكس يحفوفي إيمانًا راسخًا بوطنٍ يؤمن بالإنسان قبل المنصب، وبالقيم قبل الألقاب. وطنٌ يعتزّ باغترابه اللبناني، ويعتبره حكاية عظيمة، مهمّة ومجيدة، يجب الحفاظ عليها كما يُحافَظ على رمش العين وجوهر الحنين.

ويؤكّد في حديثه أنّ القيمة الحقيقيّة ليست في الموقع، بل في الأثر، وأن الألقاب تزول، فيما يبقى الإنسان… أثرًا ونورًا.

 

من هنا، كان هذا الحوار الذي أضاء على رؤيته، ومسيرته، ومقاربته للإغتراب، والدور الإنسانيّ قبل الرسميّ، فجاءت الأسئلة والأجوبة على الشكل الآتي:

أولاً: الإغتراب والهويّة:

أ- كيف شكّل الاغتراب وعيكم بالهوية الوطنية؟ وهل تشعرون أن الانتماء يزداد قوة كلما ابتعدنا جغرافيًا؟

أعتقد أن الاغتراب، وخصوصًا المبكر كما في حالتي الشخصية، هو من أهم عوامل الوعيّ بالهوية الوطنية النقية من شوائب التعصّب الفئوي أو الحزبي. الابتعاد الجغرافي عن الأرض يجعل الإنسان يسمو بأحاسيسه الوطنية وجدانيًا وأخلاقيًا، بعيدًا من الحساسيات اليوميّة.

أنا غادرت الوطن بعمر أربعة عشر عامًا، وكان همّي أن أكون مثالًا للابن البار ولمواطن يحمل هموم الناس في معيشتهم وثقافتهم وأوضاعهم الاجتماعية.

لذلك أقول إن الاغتراب لا يُضعف الهوية بل يُنقّيها، وكلما ابتعدنا جغرافيًا ازداد تعلّقنا بالجذور، لأن الوطن يتحّول إلى قضية نعيشها يوميًا في وجداننا.

ب- ما الفارق بين تمثيل الوطن من الداخل، وتمثيله من موقع الاغتراب؟

في الداخل، التمثيل يكون عبر المشاركة المباشرة في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والاجتماعية. أما في الإغتراب، فالدور مزدوج: تمثيل حضاري وأخلاقي واقتصادي.

المغترب هو سفير غير رسمي لوطنه. سلوكه، نجاحه، إلتزامه بالقيم العالية، وتفاعله الإيجابي مع عادات وقوانين البلد المضيف، كلها عناصر تعكس صورة وطنه. نحن دائمًا نؤكد على مسؤولية المغترب اللبناني في تمثيل القيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب، لأن الالتزام بالأخلاق هو ما يضمن توازن الإنسان في أي موقع يشغله.

ج- هل تعتقدون أن المغترب يحمل مسؤولية مضاعفة تجاه وطنه مقارنة بالمقيم؟

المسؤولية تكاملية وليست مقارنة. لكن المغترب يتحمّل عبئًا إضافيًا لأنه يُسأل عن وطنه في الخارج، وأحيانًا يُحاسَب على صورة بلد بأكمله. لذلك عليه أن يكون انموذجًا إيجابيًا، وأن يحمل همّ تحسين أوضاع الناس لا فقط الاهتمام بشؤونه الخاصة.

ثانياً: التجربة الدبلوماسية والقنصلية:

أ- ما هو التحدي الأكبر في الدفاع عن حقوق المغتربين؟

أكبر التحديات هو فهم خصوصية كل بيئة قانونية وثقافية، والعمل ضمنها بمرونة وذكاء دون التفريط بالحقوق. الدفاع عن المغتربين يتطلب توازنًا دقيقًا بين احترام قوانين الدولة المضيفة، والحفاظ على كرامة أبناء الجالية.

ب- كيف توازنون بين الرسمي والإنساني؟

الدبلوماسية ليست نصوصًا فقط، بل إنسان قبل كل شيء. كثير من القضايا تبدأ بحاجة إنسان إلى من يسمعه ويفهم ظروفه. بالإخلاص وصفاء النية والالتزام بالقضية الإنسانية، استطعنا تجاوز الكثير من الصعوبات، وسنبقى جاهزين لمواجهة ما تبقّى، وهو كثير ومهم.

ثالثاً: رجل الأعمال في المهجر:

أ- كيف أثّر العمل في الخارج على نظرتكم للاقتصاد الوطني؟

العمل في الخارج فتح أعيننا على معايير الإدارة والحوكمة والشفافية. وهذا يجعلنا نرى بوضوح أن ما ينقص اقتصادنا الوطني ليس الطاقات، بل البيئة السليمة.

للأسف، لا يمكن أن نرى اقتصادًا وطنيًا حقيقيًا ما لم يتحرر من قبضة الاحتكار والمحاصصة والتبعية. نحن بحاجة إلى دولة قوية عادلة توفر ظروفًا تنافسية عادلة، وتمنح الثقة للمستثمر.

ب- هل رأس المال الإغترابي مستثمر كما يجب؟

لا، للأسف. رأس المال الاغترابي ضخم، لكنه يُستخدم غالبًا كمِزراب موسمي عند الحاجة، بدل أن يكون شريكًا استراتيجيًا دائمًا. نحن بحاجة إلى تعاون أكبر بين المغتربين أنفسهم، لتشكيل قوة اقتصادية منظمة، وأداة ضغط إيجابية تدفع الدولة للاعتراف بدورهم الفاعل والمؤثر.

رابعاً: رئاسة المجلس القاريً الإفريقيً:

أ- ما أبرز الإنجازات؟

أعتز بأننا خلال ولايتين تمكّنا من توحيد الصوت الاغترابي الإفريقي ضمن إطار مؤسساتي، وتعزيز التواصل بين الجاليات والدولة، خصوصًا في مراحل حساسة كأزمة الودائع وأزمة كورونا.

ما لم يتحقق بعد هو بناء شبكة اقتصادية إفريقية – لبنانية متكاملة، تحوّل الطاقات الفردية إلى قوة استثمارية جماعية منظمة.

ب-  كيف تقيمون التعاون الإفريقي اليوم؟ وما توجيهكم للرئيس الجديد؟

إفريقيا هي قارة الفرص، لكن التحدي هو الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ. نحن بحاجة إلى آليات أكثر صلابة.

أما للرئيس الجديد فأقول: حافظوا على وحدة الصف، ابتعدوا عن الشخصنة، واجعلوا المصلحة الاغترابية فوق أي اعتبار. المؤسسة تبقى، والأشخاص يتبدّلون.

خامساً: القيادة والتجربة الشخصيّة:

أ-  أكثر تجربة أثّرت فيكم إنسانيًا؟

الوقوف إلى جانب عائلات تمر بأزمات صحية أو قانونية أو معيشية. في تلك اللحظات ندرك أن المسؤولية ليست لقبًا بل أمانة.

ب- دور الإعلام الاغترابي؟

الإعلام الإغترابيّ يجب أن يكون منّصة وعيّ لا منبر انقسام. دوره توثيق النجاح، كشف التحديات، وربط المغترب بوطنه بعيدًا عن الاستقطاب. يجب أن يكون مساحة جامعة تعبّر عن كل الطاقات اللبنانية المنتشرة حول العالم.

 

ج- الرسالة إلى الجيل الجديد؟

نجاحكم في الخارج هو قوة لوطنكم. لا تقطعوا الجذور. استثمروا في العلم، في الأخلاق، وفي بناء مؤسسات لا أشخاص.

الوطن يحتاج إلى طاقاتكم المنظمة والمؤثرة

سؤال ختاميّ:

لو اختصرنا تجربتكم الطويلة في كلمة واحدة، فما هي؟

الإستقامة !

زر الذهاب إلى الأعلى