لم تعد الممرّات الاقتصاديّة في عالم اليوم مجرّد مشاريع للنقل والتجارة أو أدوات لتعزيز النمو الاقتصادي، بل تحوّلت إلى أحد أبرز ميادين الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى والإقليميّة. فمع تصاعد الحروب والأزمات، باتت الموانئ والسكك الحديديّة وخطوط الأنابيب والمضائق البحريّة عناصر حاسمة في رسم موازين النفوذ، وأصبحت السيطرة على طرق التجارة والطاقة جزءًا لا يتجزأ من معادلات الأمن القومي والاستراتيجيّات الدوليّة.
وفي الشرق الأوسط، تتقاطع مشاريع متنافسة، أبرزها مبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة والممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، في ظل تنافس أميركي–صيني متصاعد، وصراع إقليمي يفرض تحدّيات أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة متشابكة. وفي خضم هذه التحوّلات الجيوسياسيّة، يبرز سؤال جوهري: كيف ستعيد هذه الممرّات رسم خريطة النفوذ في المنطقة؟ وما موقع الدول العربيّة، ولبنان تحديدًا، في سباق الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة الجديد؟
في ظل التصعيد والحروب المستمرّة، تحولت الممرّات الاقتصاديّة من مجرّد مشاريع للبنية التحتيّة إلى أدوات لتقويض النفوذ الإيراني أو حمايته، إذ تسعى القوى الغربيّة والدول الإقليميّة المنافسة إلى إيجاد وتفعيل ممرّات تجاريّة تتجاوز الأراضي والمياه الإيرانيّة تمامًا، مثل “طريق التنمية” العراقي – التركي، والممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، بما يهدف إلى عزل إيران جيوسياسيًا وحرمانها من مكاسب موقعها كممرّ عبور رئيسي.
وتدرك طهران أنّ السيطرة على الممرّات البحريّة ّوالبريّة تمثّل ورقة ضغط استراتيجيّة، لذلك فإنّ أي محاولة لفرض ممرّات بديلة تُفسَّر، من وجهة النظر الإيرانيّة، على أنّها محاولة أميركيّة–إسرائيليّة–خليجيّة مشتركة لتطويقها وإضعاف قدرتها على التحكّم في حركة التجارة والطاقة في الخليج العربي.
وعليه، يقول المتخصّص في النقل البحري الدولي الدكتور وسام ناجي، في حديثٍ لـ«لبنان24»، إنّ العلاقة بين أمن الممرّات التجاريّة وأمن الطاقة العالمي هي علاقة تكامليّة وعضويّة؛ فالتجارة العالميّة تعتمد بصورة كبيرة على تدفّق الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، لتشغيل سلاسل الإمداد، وفي المقابل يحتاج تصدير الطاقة إلى ممرّات آمنة تضمن وصولها إلى الأسواق المستهلكة. ومن هنا، فإنّ أي تهديد للممرّات التجاريّة غالبًا ما يتزامن مع استهداف الموانئ أو خطوط أنابيب الطاقة، كما هو الحال في مضيق هرمز وباب المندب. وبالتالي، فإنّ عدم استقرار هذه الممرّات يؤدي إلى صدمات في إمدادات الطاقة، تنعكس فورًا بارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وارتفاع معدّلات التضخّم العالميّة، وتعطّل حركة الشحن البحري الدولي.
ومع ذلك، ثمّة تحديات، بحسب الدكتور ناجي، تواجه تنفيذ مشاريع الممرات الاقتصاديّة العابرة للحدود، أبرزها:
– التحدّيات الأمنيّة والسياسيّة: عدم الاستقرار الإقليمي، والحروب المشتعلة، والنزاعات الحدوديّة، ووجود جماعات مسلحة أو فصائل مناهضة لبعض المشاريع.
– التكلفة الماليّة الضخمة: إذ تتطلب هذه المشاريع استثمارات هائلة لإنشاء سكك الحديد، والموانئ، وخطوط الأنابيب عبر تضاريس وعرة ودول متعددة.
– التعقيدات القانونيّة والتنسيق الدبلوماسي: والحاجة إلى اتفاقيّات سياديّة معقّدة بين دول ذات مصالح متضاربة، تتعلق برسوم العبور، والأمن المشترك، وحقوق الملكيّة وآليات التنفيذ.
وفي ضوء ما تقدم، تترتب تداعيات كبيرة على الدول العربيّة إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب، وأبرزها، كما يقول ناجي:
– كارثة اقتصاديّة وماليّة: إذ ستفقد الدول العربيّة المصدِّرة للنفط والغاز، ولا سيما دول الخليج، القدرة على تصدير إنتاجها، ما يؤدي إلى تراجع حاد في العائدات الماليّة.
– تعطل سلاسل الإمداد الغذائي والاستهلاكي: فالدول العربيّة تعتمد بصورة كبيرة على الواردات القادمة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وأي تعطيل لهذه الممرّات سيؤدي إلى نقص في السلع الأساسيّة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
– فقدان الثقة التجاريّة: نتيجة تحول الموانئ العربيّة إلى مناطق عالية المخاطر بالنسبة لشركات التأمين البحري، بما يضرّ بمكانتها كمراكز لوجستيّة عالميّة، ولا سيما ميناء جبل علي في دبي.
ويرى أنّ المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تمثل، إلى حدّ كبير، المحرك الأساسي للصراعات الحاليّة في المنطقة. فالصراع المحتدم بين واشنطن وبكين على زعامة النظام الاقتصادي العالمي يلقي بظلاله الثقيلة على الشرق الأوسط، إذ تسعى الولايات المتحدة، عبر ّتحالفاتها ومشاريعها الاقتصاديّة، وفي مقدمتها ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، إلى احتواء النفوذ الصيني وعرقلة مبادرة “الحزام والطريق”. وفي المقابل، توظّف الصين علاقاتها الاقتصاديّة والدبلوماسيّة لتأمين خطوط إمداد الطاقة وبسط نفوذها عبر الموانئ والممرّات، ما جعل الشرق الأوسط ساحة رئيسيّة للتنافس الاقتصادي بين القوّتين العظميين.
ويؤكّد أن مبادرة “الحزام والطريق” تشكّل جوهر الاستراتيجيّة الصينيّة لتحقيق الأمن القومي والاقتصادي، إذ تهدف إلى كسر “الاختناقات البحريّة” التي يمكن أن تتحكّم بها البحريّة الأميركيّة، مثل مضيق ملقا ومضيق هرمز، من خلال إنشاء شبكة تجاريّة بريّة وبحريّة تربط الصين بأسواق آسيا وأوروبا وإفريقيا، بما يضمن انسياب الموارد الطبيعيّة والمواد الخام، وتصريف فائض الإنتاج الصيني بكفاءة أكبر.
ّأمّا التنافس بين طريق الحرير الصيني والممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، فقد حوّل الشرق الأوسط، وفق قراءة ناجي، إلى ساحة تنافس جيواقتصادي، وأصبحت دول المنطقة، ولا سيما الخليجيّة والعراق ومصر، أطرافًا فاعلة تسعى إلى تعظيم مكاسبها عبر إدارة توازناتها مع القوى الدوليّة، في ظلّ بروز حالة من الاستقطاب بين مشاريع مدعومة صينيًا وأخرى مدعومة أميركيًا وغربيًا، الأمر الذي يفرض عليها اختيار توجهاتها الاستثماريّة بحذر.
ويرى ناجي أنّ التطورات السياسيّة والأمنيّة ستحدّد مستقبل هذين المشروعين بدرجة كبيرة، لأنّ المشاريع الاقتصاديّة العابرة للحدود لا تنفصل عن الواقع الأمني، فأي توتّر عسكري أو حرب إقليميّة أو تغييرات سياسيّة أو عقوبات دوليّة قد يؤدي إلى تجميد هذه المشاريع أو تغيير مساراتها نحو مناطق أكثر استقرارًا، مثل “الممر الأوسط” عبر تركيا والقوقاز.
وأمام هذه المعطيات، يبرز سؤال أساسي: أين سيكون موقع لبنان في ظلّ هذا التنافس؟ وأيّ من الممرّين قد يشكل فرصة أكبر له؟
بحسب ناجي، يقف لبنان حاليًا خارج هذه الخرائط الكبرى بسبب أزماته الهيكليّة العميقة، والانهيار المالي، والانقسام السياسي، فضلًا عن وقوعه في قلب النزاعات الإقليميّة. لكنّه يرى أن الفرصة الأكبر قد تكمن في مشروع (IMEC)، إذا كُتب له النجاح مستقبلًا، إذ يمكن أن يتيح للبنان، في حال استعادة الاستقرار، الاندماج في منظومة المتوسط الغربيّة عبر مرافئه. أمّا في المدى المنظور، فتبقى مصلحة لبنان مرتبطة بالمشاريع العربيّة والإقليميّة، مثل خطوط الطاقة العراقية أو مشاريع التكامل مع سوريا والعراق، بما يساهم في فكّ عزلته وإعادة ربطه بعمقه العربي والمشرقي.
ولا شكّ أنّ الاتفاقيّة التي أُبرمت في تموز 2026 بين العراق وسوريا، برعاية دولية، لإعادة تأهيل خط كركوك–بانياس ورفع طاقته الاستيعابيّة إلى نحو مليوني برميل يوميًا، كبديل استراتيجي لمضيق هرمز، لا تمنح لبنان دورًا مباشرًا في مسار الخطّ الذي ينتهي في ميناء بانياس السوري، ورغم ذلك، يرى ناجي أنّ ثمّة فرصة للبنان للاستفادة بصورة غير مباشرة، من خلال إحياء امتداداته اللوجستيّة. فلطالما طُرح ربط الخطّ بمصافي طرابلس، كما يمكن للبنان، إذا استقرّت الأوضاع الأمنيّة وتوافرت الإرادة السياسيّة، الاستفادة من النفط العراقي عبر خطوط فرعيّة أو وسائل نقل بديلة، شرط تخفيف التعقيدات الجيوسياسيّة، وتطوير البنية التحتيّة المحليّة.ويبقى نجاح لبنان في اغتنام هذه الفرص مرهونًا بسياسة حكيمة، ورؤية استراتيجيّة بعيدة المدى، وتوافق وطني يضع المصلحة اللبنانيّة فوق حسابات المحاور. فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل لبنان إلى لاعب في خريطة الممرات الاقتصاديّة الجديدة، ما لم يقترن باستقرار سياسي، وبنية تحتيّة حديثة، ودولة قادرة على استثمار موقعها بدلًا من الاكتفاء بالتأثّر بصراعات الآخرين.
(“لبنان 24”)