من يكتب اليوم التالي للحرب؟
ليست الحروب لحظات عسكريّة فقط، ولا تُقاس نتائجها بما يحدث في ساحة المعركة وحدها. ففي مرحلة ما، تبدأ الحرب نفسها بإنتاج شروط نهايتها، وتنتقل الأطراف، بالتوازي مع القتال، إلى التفكير في اليوم الذي سيليه. عندها تصبح الضربات والضغوط أدوات في معركة أوسع، تهدف إلى إعادة رسم التوازنات وفرض ترتيبات جديدة قبل أن تصمت الصواريخ.
هذا ما يجعل الحرب الأميركيّة ـ الإيرانيّة مختلفة عن مجرّد مواجهة عسكريّة مفتوحة. فقد دخلت إليها منذ بدايتها عناصر تتجاوز مسرح العمليّات، ومنها الاقتصاد والطاقة والممرّات البحريّة والعقوبات والقدرة على تحمّل الاستنزاف، فضلاً عن الحسابات السياسيّة التي تحدّد سقف التصعيد وإمكان الانتقال منه إلى التفاوض. هكذا، لم تعد القوّة تقاس فقط بمن يستطيع إلحاق أكبر قدر من الضرر بخصمه، بل بمن يستطيع استخدام قدرته الردعيّة لبلوغ وضع سياسيّ أفضل من الوضع الذي دخل الحرب من أجله.
في هذا المعنى، قد تصبح الحرب وسيلة لإعادة ترتيب البيئة التي ستليها، لا غاية في ذاتها. فالأطراف المتصارعة، مهما ارتفع مستوى النزاع، تدرك حدود قدرتها على تحمّل حرب بلا نهاية. الولايات المتّحدة تريد منع تحوّل المواجهة إلى استنزاف طويل، وإسرائيل تبحث أقلّه عن بيئة أمنيّة أكثر ملاءمة على حدودها، وإيران تحاول الحفاظ على قدرتها على الردّ وعلى أكبر قدر ممكن من نفوذها، فيما تسعى دول الخليج إلى حماية أمنها واستقرار اقتصادها وممرّات الطاقة. تتناقض هذه المصالح في جوانب كثيرة، لكنّها تلتقي عند حقيقة واحدة. لا أحد يستطيع تحمّل حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.
في الواقع، لم تعد المسألة في المنطقة تقتصر على تحديد المنتصر، بل باتت تتّصل بمن يمتلك القدرة على التأثير في شكل ما بعد الحرب، وفي الصيغ الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي ستعيد توزيع النفوذ وتضع قواعد جديدة للعلاقات بين الدول والقوى. وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق للمرحلة الراهنة. وهنا تحديداً يصبح لبنان معنيّاً بما يتجاوز حدوده.
فالجنوب الذي كان طويلاً جبهة متقدّمة في صراع إقليميّ أوسع، يمكن أن يتحوّل في مرحلة ما بعد الحرب إلى واحدة من ساحات اختبار الترتيبات الجديدة. السيطرة الإسرائيليّة على مواقع في الجنوب، والبحث عن ضوابط أمنيّة، وإعادة انتشار الجيش اللبنانيّ، ومسألة الانسحاب، كلّها عناصر تجعل الجنوب جزءاً من معادلة اليوم التالي، لا مجرد تفصيل في يوم الحرب.
وهذا التحوّل يضع الدولة اللبنانيّة أمام فرصة نادرة، لكنّه يعرّضها أيضاً لتحدّيات كبيرة.
فالانتقال من الميدان إلى التفاوض الجدّي قد يسمح للبنان بأن يستعيد موقعه كطرف في صناعة التسوية، بدلاً من أن يبقى موضوعاً تتفاوض القوى الأخرى على مستقبله. وإذا نجحت الدولة في ربط أي تفاهمات جنوبيّة بحضور الجيش، وبحماية الحدود، وبالانسحاب الإسرائيليّ، وبحصرية القرار الأمنيّ والعسكريّ في مؤسّساتها، فإنّ ما يبدو في ظاهره نتيجة لضغط الحرب يمكن أن يصبح مدخلاً لإعادة بناء الدولة.
لكنّ ذلك يتطلّب تغييراً في طريقة النظر اللبنانيّة إلى الحرب نفسها.
لقد اعتاد اللبنانيون أن ينتظروا نهاية الصراعات الإقليميّة كي يعرفوا نتائجها، ثم يبدأون البحث عن أسلوب التكيّف معها. في كلّ مرة كان الآخرون يرسمون التوازنات، ثم يأتي لبنان متأخّراً ليتعامل مع الوقائع الجديدة. وهذه المرّة تحديداً قد تكون كلفة الانتظار أعلى، لأنّ الصيغ التي ستولد من الحرب قد لا تترك مساحة واسعة لمن لم يكن حاضراً عند صناعتها.
الخطر يكمن في أن يخسر الوطن فرصة سياسيّة. فإذا بقي الجنوب محكوماً بمنطق الجبهة وحده، فقد يخرج لبنان من الحرب بالوقائع نفسها التي دخل بها، فيما تكون المنطقة من حوله قد انتقلت إلى قواعد جديدة. أما إذا دخلت الدولة مبكراً في صناعة اليوم التالي، فقد يصبح الجنوب بداية مسار مختلف. من جبهة مفتوحة إلى حدود مضبوطة، ومن ترتيبات مؤقتة إلى صيغة أمنيّة أكثر استقراراً، ومن حضور عسكريّ موزع بين أطراف متعدّدة إلى مسؤوليّة واضحة للمؤسّسات الدولتيّة الشرعيّة.
هذا لا يعني أن الطريق إلى التسوية سيكون سهلاً. فإسرائيل لها شروطها، و”حزب الله” سيواجه استحقاقاً يتعلّق بموقع سلاحه ووظيفته، والدولة اللبنانيّة ستجد نفسها مطالبة بإدارة انتقال بالغ الحساسيّة من دون أن يتحوّل ذلك إلى صدام داخليّ. لكنّ صعوبة الانتقال لا تلغي ضرورته؛ بل تجعل الحاجة إلى إدارته سياسيّاً أكبر، بشكل يسمح بتحديد موقع البلد في اليوم التالي. وهنا تكمن قيمة اللحظة وأهميّة المرحلة.
فإذا كان الإقليم ينتقل تدريجيّاً من خوض الحرب إلى صياغة ما بعدها، فإنّ لبنان لا يستطيع أن يبقى عالقاً في خطاب المعركة فيما يجري إعداد لغة التسوية. ولا يكفي أن يطالب بوقف النار أو بالانسحاب الإسرائيليّ؛ عليه أن يكون جزءاً من صياغة النظام الذي سيحمي هذا الانسحاب ويمنع عودة الحدود إلى نقطة الصفر. وذلك يتطلّب رؤية تتجاوز النجاة من الحرب إلى تحويل نهايتها إلى مصلحة لبنانيّة. فالحرب قد تنتهي باتّفاق، أو بهدنة، أو بترتيب مؤقت أو دائم، وربّما بسلام. لكن ما يحدّد مستقبل المنطقة ليس لحظة توقّف النار، بل ما يُبنى بعدها. هناك، في اليوم التالي، تُعاد صياغة النفوذ والحدود والأدوار والتحالفات.
ولذلك فإنّ المعركة التي ينبغي أن تعني لبنان منذ الآن ليست معرفة من انتصر في الحرب، بل معركة ألاّ يخرج من الحرب من دون أن يكون له مكان في كتابة ما بعدها.
فمن يكتب اليوم التالي لا يرث نتائج الحرب فقط؛ بل يرسم شيئاً من مستقبل المنطقة.
وقد تكون هذه المرّة فرصة لبنان لكي ينتقل، أخيراً، من انتظار ما يكتبه الآخرون إلى المشاركة في كتابة مصيره.
– انطوان العويط –





