نسيب نصر.. حين تتحول الرؤية إلى إنجاز

خاص – هنا وطني
في بلدٍ أنهكت أزماته المتتاليّة القطاع الصحي، برزت تجربة مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ، أحد أعرق الصروح الطبيّة والتعليميّة في لبنان،
كان هذا الحوار الخاص لموقع “هنا وطني” مع
المدير العام لمستشفى أوتيل ديو الجامعيّ، الأستاذ نسيب نصر، الذي تبدو الرؤية عنده أكثر من مجرد فكرة أو طموح إداري؛ فهي نهج في العمل، وقدرة على قراءة المرحلة واستشراف ما بعدها، ثم تحويل الأفكار إلى مشاريع ونتائج ملموسة.
لا يتعامل نصر مع ما تحقق باعتباره إنجازاً شخصياً، بل يرده إلى إرادة جامعة القديس يوسف والآباء اليسوعيين، وإلى جهود الأطباء والجسم التمريضي والإداري وجميع العاملين في المستشفى. لكن ذلك لا يلغي دوره في قيادة مرحلة شهدت خطوات عملية مهمة،
بين إرث يمتد لأكثر من مائة عام، وتحديات لبنان المتجددة، يضع نسيب نصر تجربة أوتيل ديو أمام مرحلة جديدة
ففي حوار مع “هنا وطني”
أكد المدير العام لمستشفى أوتيل ديو الجامعيّ، نسيب نصر، أن المستشفى يواصل أداء دوره الطبيّ والاجتماعيّ في لبنان، على الرغم من الظروف الصعبة التي مرّ بها البلد منذ عام 2019،
وكان هذا الحديث:
كيف تصفون علاقة مستشفى أوتيل ديو بشركات التأمين
والجهات الضامنة؟
شركات التأمين والجهات الضامنة لديها خط عمل مع جهات ضامنة جامعية وأخرى غير جامعية، وتؤدي الجودة والكلفة دوراً مهماً في هذا المجال. أوتيل ديو الجامعي يُعد من المستشفيات الجامعية الأقل كلفة في لبنان، لا بل قد يكون الأقل كلفة.
نتميز أيضاً بالجانب اليسوعيّ والاجتماعيّ الذي نسعى إلى المحافظة عليه وتعزيزه. ونحن موجودون ضمن ما يُعرف بـ
«Restricted Network»،
أي الشبكة محدودة الوصول لدى شركات التأمين، ونحن على جميع لوائحها، باستثناء الحالات التي يطلب فيها أحد الأشخاص تأميناً لا يشمل مستشفى جامعياً.
ولدينا كذلك جهات ضامنة من القطاع العام والقوى الأمنية وتعاونية الموظفين، إضافة إلى العديد من الشركات الخاصة التي نتعاون معها.
ماذا يميز أوتيل ديو على مستوى الكادر الطبيّ والخدمات؟
يعمل في أوتيل ديو أطباء مميزون في مختلف المجالات الطبية، إلى جانب جهاز تمريضيّ متّمرس ونظام داخلي متكامل. وتبقى النوعية والجودة من أولوياتنا الأساسية.
وفي الوقت عينه، نُعنى بالجانب الاجتماعيّ، فنحن لا نرد أي مريض يقصدنا للعلاج، وأبوابنا مفتوحة للجميع. وهذا جزء أساسي من الرسالة التي نحملها.
ماذا عن التطور التكنولوجيّ في المستشفى؟
لا شك أن مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ متقدّم تقنياً، وقد أصبح لدينا روبوت في غرف العمليات، ما يوفر دقة أكبر في العمل ويساهم في خروج المريض من المستشفى بشكل أسرع، مع آلام وجروح أقل.
ولدينا أيضاً إمكانات متقدّمة في مجالات مختلفة، من بينها عمليات القلب للأطفال. وهناك شيء مميز في كلّ قسم، وجميع الأقسام تعمل بالمستوى عينه، من قسم الأطفال إلى قسم التوليد وسائر الأقسام.
ومن المراكز والأقسام التي نوليها أهمية مركز العلاج الفيزيائي، وقسم السمع، إضافة إلى مركز مرضى الضغط، ومركز مرضى السكري، ومركز المساعدة على الإقلاع عن التدخين. وجميع هذه الأقسام تعمل للوصول إلى مستوى دولي يريح إدارة المستشفى والمرضى في الوقت نفسه.
كيف تنظرون إلى علاقة المستشفى بالدولة، بخاصةٍ في ظل الظروف الصحيّة والاقتصاديّة الراهنة؟
يهمنا جداً التعامل مع الدولة في مجال الصحة، وكلّ ما نقوم به يهدف في النهاية إلى عودة الدولة إلى ممارسة دورها.
فالقطاع الخاص أدى دور الدولة منذ عام 2019 وحتى اليوم، لأن الدولة لم تمنح حتى الآن كلّ الحماية الصحيّة للمواطن. وإلى أن تستعيد الدولة دورها، نحن موجودون ونقوم بدورنا ونساعد، ولا نسمح بأن يقف أحد على أبوابنا من دون علاج، حتى خلال الأزمات الكبيرة.
المواطن يهمنا بقدر ما يهمنا المستشفى. ونتمنى أن تستعيد الدولة دورها بالكامل، من السياسة إلى حصر السلاح إلى الصحة وغيرها. فلا يستطيع أحد أن يعيش بعدل وسلام من دون وجود دولة.
إلى ماذا تعزون الإنجازات التي حققها أوتيل ديو الجامعيّ؟
هذه الإنجازات تعود إلى إرادة المستشفى والجامعة اليسوعية والآباء اليسوعيين، وإلى قرار الحضور في المجتمع ومساعدة الناس والتقدم.
منذ تأسيس كليّة الطبّ في جامعة القديس يوسف، أي منذ نحو 150 عاماً، ومنذ تأسيس مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ قبل نحو 105 أعوام، «Excellence médicale»، كان الهدف هو الحضور والتوسع وتحقيق التميّز الطبيّ
إلى جانب الصعيد الاجتماعي ومساعدة الناسوانطلاقاً من هذا المبدأ، تطّور المستشفى وكسب ثقة الناس، وصار لدينا مختلف الجهات الضامنة في القطاعين العام والخاص.
كما أصبح أوتيل ديو الجامعيّ مقصداً للمغتربين العائدين إلى لبنان خلال فصل الصيف، الذين يقصدون أطباء المستشفى ويحصلون على الجودة الطبية والتكنولوجيا والمعدات المتطورة. وقد جرى تطوير كل ما يلزم للاستجابة للحاجات الطبيّة بأعلى المستويات، إلى جانب تنظيم المستشفى إدارياً بطريقة تساهم في مساعدة الناس وتحقيق التطّور في الوقت عينه.
ما أبرز الصعوبات التي واجهها المستشفى خلال السنوات الماضية؟
الصعوبة الأساسية التي تواجه المستشفى هي وضع البلد والأحداث المتلاحقة منذ عام 2019، بدءاً من الأزمة الاقتصادية، مروراً بجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت والحرب الاقتصادية، وكل ذلك كان له تأثير كبير على المستشفى، ولا سيما مع هجرة الأطباء والممرضين والممرضات.
لكننا تمكنا من تخطي هذه الصعوبات بالعزم والإرادة، واستطعنا الاستمرار في التقدم.
ومن الخطوات المهمة التي قمنا بها إنشاء شبكة مستشفيات تابعة لأوتيل ديو، تضم مستشفيات نقدّرها ولدينا معها علاقة جيدة، وكانت تواجه صعوبات، فأصبحت جزءاً من الشبكة التي نديرها.
وتضم الشبكة أربعة مستشفيات هي: مستشفى سان شارل في الفياضية، مستشفى تل شيحا في زحلة، مستشفى قرطباوي في أدما، ومستشفى سيدة السلام في القبيات – عكار.
جغرافياً، نطمح إلى أن يكون لنا حضور قريباً في الجنوب، لكن الحالة الراهنة لا تسمح بذلك.
هذه المستشفيات الموجودة ضمن الشبكة هي في خدمة المواطنين والأطباء التابعين لأوتيل ديو، كما تؤمّن حضوراً طبياً في المناطق، وتساهم في تعزيز علاقة كليّة الطب والطلاب بهذه المناطق.
ونشكر الله على مساعدتنا في تخطي الصعوبات التي واجهناها. وفي حال صار الوضع الأمني أكثر استقراراً، فإن هذا الاستقرار سيسمح لنا بالتوسع أكثر.
ماذا عن التكنولوجيا والأطباء والإنجازات الطبية الجديدة؟
ما يحققه أوتيل ديو الجامعيّ على صعيد الجراحة والطب مهمّ جداً. فالانفتاح على كليّات الطب في أوروبا وأميركا يتيح لطلابنا الذهاب إلى هذه الكليات للدراسة، ثم العودة إلى لبنان حاملين معهم التكنولوجيا المتطورة التي تفيد البلد وتخدمه.
وقسم المعدات في مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ وإدارة المستشفى على بيّنة بكل جديد يحدث في العالم. ولدينا الكثير من بروتوكولات التعاون مع مستشفيات في الخارج، إضافة إلى مختبرات ومراكز أبحاث، لكي نبقى مطلعين على كلّ الإنجازات الطبية التي تحدث عالمياً ونتمكن من نقلها إلى لبنان.
ما أهمية العلاقة بين جامعة القديس يوسف ومستشفى أوتيل ديو؟
جامعة القديس يوسف هي الجامعة الأساسية التي تضم كليّة الطب، وهي أقدم كليّة طبّ وأكبرها في لبنان وتتمتع بجودة عالية.
مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ هو المستشفى التعليميّ والمستشفى الجامعيّ التابع لهذه الكليّة. طلاب الطب يتدربون ويعيشون في المستشفى لكي يحصلوا على التدريب اللازم على أرض الواقع، ويتعاملوا مع المرضى والجسم التمريضي والإدارة، ولكي يكون الاختصاص الذي يختارونه موجوداً ضمن بيئة طبية متكاملة.
وبالتالي أطباء أوتيل ديو تقع على عاتقهم أيضاً مسؤولية نقل العلم والمعرفة إلى الجيل الجديد من الأطباء.
ماذا عن المرضى القادمين من الخارج والسياحة الطبية؟
بالنسبة إلى حجز المواعيد مع الأطباء عبر الإنترنت، فقد خفّت هذه الحركة حالياً بسبب الأوضاع الأمنية وتراجع حركة المطارات والطيران.
لكن في مراحل سابقة كان أهل الخليج يقصدون أطباء في لبنان، لأن لبنان معروف بأنه «مستشفى الشرق الأوسط». كما أن الكثير من العراقيين كانوا يقصدون لبنان بشكل خاص للاستشفاء، نظراً إلى المشكلات التي يعاني منها نظامهم الصحيّ بعد الحروب التي مروا بها.
ومع كلّ المشاكل التي حدثت منذ عام 2024، تراجعت هذه الحركة. لكن لدينا مشروع كبير يهدف إلى فتح مكاتب ارتباط للسياحة الطبية في دول تهمنا، ومن خلالها نفتح المجال أمام أطبائنا لاستقبال المرضى القادمين من الخارج وتعزيز حضور المستشفى خارج لبنان.
«Telemedicine»في الوقت عينه، فتحنا منصة للـ
تتيح للأطباء تقديم العلاج والاستشارات لمرضى في الخارج، مع وجود الملف الطبيّ للمريض في يد الطبيب خلال المعاينة التي يجريها في بلد آخر.
وهذا المجال يفتح إمكانات جديدة أمام الأطباء والمستشفى، ويتيح الاستفادة من الخبرات الطبيّة اللبنانيّة خارج الحدود، من دون أن يكون وجود المريض في لبنان شرطاً للاستفادة من هذه الخبرات.
كيف تنظرون إلى مستقبل أوتيل ديو؟
عندما يستقر الوضع الأمني وتعود شركات الطيران والمطار إلى حركته الطبيعية، سيقوم مستشفى أوتيل ديو الجامعيّ بالمزيد من التوسع.
نحن مستمرون في العمل والتطور، ونريد أن نحافظ على الدور الطبيّ والاجتماعيّ الذي تأسس عليه المستشفى، وأن نواصل تقديم أفضل مستوى من الرعاية الطبيّة، مع البقاء إلى جانب المواطن، إلى أن تستعيد الدولة دورها الكامل في القطاع الصحيّ وسائر القطاعات.
حاورته ندين صموئيل شلهوب




