بقلم نزيه عبدو حمد
رئيس مجموعة نزيه اللبنانيّة-الخليجيّة
ليست قوّة الدول في ثرواتها أو جيوشها أو حجم اقتصاداتها فحسب، بل تبدأ قوّتها الحقيقيّة من تماسك مجتمعها، واحترام مواطنيها لمؤسساتها، وثقتهم بالقانون، وشعورهم بأنّ الوطن هو المرجعيّة التي تعلو فوق الانتماءات والمصالح الضيّقة.
ومن هنا تأتي أهميّة مفهوم طاعة وليّ الأمر في المعروف، لا باعتباره خضوعًا للأشخاص أو تنازلًا عن حقّ المواطن في الرأي والنقد، وإنّما التزامًا بالنظام العام واحترامًا لشرعيّة الدولة ومؤسساتها، وحماية للمجتمع من الفوضى والانقسام.
وقد جاء هذا المبدأ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، فيما وضع الرسول الكريم ﷺ للطاعة ضابطها الواضح بقوله: «إنّما الطاعة في المعروف».
وهنا تكمن أهميّة التوازن: فاحترام وليّ الأمر لا يعني السكوت عن الخطأ، وطاعة الدولة لا تعني تبرير الظلم، كما أنّ المعارضة لا تعني التمرّد، والنقد لا يعني هدم المؤسسات.
إنّ مجتمعاتنا العربيّة بحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة واضحة: نحترم السلطة من دون أن نقدّس الأشخاص، وننتقد من دون أن نهدم، ونطالب بالإصلاح من دون أن نحوّل الاختلاف إلى فوضى، ونتمسّك بحقوقنا كما نلتزم بواجباتنا.
لقد دفعت دول عربيّة كثيرة أثمانًا باهظة نتيجة ضعف مؤسسات الدولة والصراعات والانقسامات، وأثبتت التجارب أنّ انهيار الدولة لا يعني بالضرورة ولادة دولة أفضل؛ فالفراغ سرعان ما تملؤه العصبيّات والجماعات المتصارعة والمصالح الخارجيّة.
وفي المقابل، لا يمكن استخدام الخوف من الفوضى مبررًا للظلم أو الفساد أو غياب المساءلة. فالاستقرار الحقيقي لا يبنى بالقوة وحدها، وإنّما بالعدل أيضًا. فالمواطن مطالب باحترام القانون، والمسؤول يجب أن يكون أول الخاضعين له؛ والمواطن مطالب بالولاء للدولة، والسلطة مطالبة بأن تجعلها وطنًا عادلًا لجميع مواطنيها.
ولعل لبنان من أكثر البلدان العربيّة حاجة إلى هذه المعادلة.
فمشكلة لبنان ليست في تنوعه الديني والثقافي والاجتماعي، فهذا التنوّع أحد عناصر غناه وتميّزه. المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء للطائفة أقوى من الانتماء إلى الدولة، والولاء للزعيم أقوى من الولاء للمؤسسة، ومصلحة الحزب مقدّمة على مصلحة الوطن.
وهنا تقع المفارقة: نريد دولة قويّة، ولكنّنا نتمسّك أحياناً بما يمنع قيامها. نطالب بالقانون، ثمّ نبحث عن الواسطة عندما يصلّ إلينا. ننتقد المحسوبيّة، ثم نقبل بها عندما تخدم مصالحنا. ونرفض الطائفيّة في خطاباتنا، ثم نستدعيها عند الانتخابات وتوزيع المناصب والمكاسب.
لذلك فإنّ إصلاح لبنان لا يبدأ فقط بتغيير الحكومات أو تعديل القوانين، بل بتغيير الثقافة السياسيّة والاجتماعيّة أيضًا، عندما يصبح اللبناني مواطنًا قبل أن يكون تابعًا لطائفة أو حزب أو زعيم.
فالرؤساء والحكومات والنواب يتغيرون، أمّا الدولة فيجب أن تبقى. ومن حقّ المواطن أن يعارض وينتقد، ولكن تحت سقف الدستور والقانون. فالمعارضة المسؤولة لا تهدم الدولة، والسلطة الحكيمة لا تخاف من النقد.
والقاعدة التي نحتاج إليها واضحة: نختلف داخل الدولة، لا على الدولة.
ولا يمكن فصل ذلك عن الاقتصاد ومعيشة الناس. فالاستقرار ليس شعارًا سياسيًا، بل شرط للتنمية. المستثمر يحتاج إلى الأمن والقانون، والمصنع يحتاج إلى مؤسّسات تعمل، والشاب يحتاج إلى وطن يرى فيه مستقبله. وحين تضعف الدولة، تتراجع الاستثمارات وفرص العمل، وتزداد الهجرة.
ّلذلك فإن بناء الدولة ليس شأنًا سياسيًّا يخص السياسيين وحدهم؛ إنّه قضيّة وظيفة ومدرسة ومستشفى ومصنع واستثمار ومستقبل أسرة.
وإذا أردنا بناء لبنان جديد، فعلينا الانتقال من الولاء للأشخاص إلى الولاء للمؤسسات، ومن حماية الزعيم إلى حماية القانون، ومن السؤال عن حصّة الطائفة إلى السؤال عن حصّة الوطن.
وهذا لا يعني إلغاء خصوصيّات اللبنانيين، بل جمعها تحت مظلّة دولة عادلة. فليكن اللبناني مسلمًا أو مسيحيًا، ومن أي منطقة كان، لكن عليه أن يشعر أولًا أنّ الدولة دولته، وأنّ القانون يحميه لأنّه مواطن وليس بسبب طائفته أو حزبه.
فالدولة القويّة ليست التي يخاف منها مواطنوها، بل التي يخاف المواطنون عليها لأنّها تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم. وهيبة الدولة لا تأتي من إسكات الناس، بل من عدالة مؤسساتها؛ والطاعة لا تترسخ بالخوف، بل بالثقة، والثقة تولد عندما يكون الجميع متساوين أمام القانون.
لقد آن الأوان في لبنان، وفي مجتمعاتنا العربيّة، أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة: دولة يكون فيها القانون أقوى من الواسطة، والمؤسّسة أبقى من المسؤول، والكفاءة أهمّ من المحاصّصة، والمواطنة أسمى من العصبيّة.
وفي لبنان تحديدًا علينا أن ننتقل من سؤال: «ماذا أخذت طائفتي؟» إلى سؤال أكثر مسؤوليّة: «ماذا قدمّنا جميعًا للبنان؟»
فلنختلف في السياسة، ولكن لنتفق على الدولة. ولننتقد المسؤول، ولكن لنحافظ على المؤسسة. ولنطالب بحقوقنا، ولكن لنؤدِّ واجباتنا.
فلبنان لا يحتاج إلى طائفة تنتصر على أخرى، ولا إلى حزب ينتصر على حزب، ولا إلى زعيم ينتصر على خصومه.
لبنان يحتاج إلى دولة تنتصر للجميع.
وحين يصبح الوطن أولًا في انتمائنا، والقانون فوق الجميع، والعدل أساسًا في حكمنا، نستطيع أن نستعيد الثقة ونبني الاستقرار ونفتح أمام أبنائنا أبواب المستقبل.
فالأوطان لا يحميها الحاكم وحده، ولا يبنيها المواطن وحده؛ وإنّما يحميها عدل الحاكم، ووعي المواطن، وقوّة المؤسسات، واجتماع الجميع على مصلحة الوطن.